هدى عبد الغفار تكتب: التعديلات الدستورية ما بين القداسة والمسموح

الثلاثاء ١٩ مارس ٢٠١٩ - ١٠:٤١ م / ۰ تعليق

كتب القرار المصري

ضجيج وتساؤلات تسود أروقة المجتمع المصري عقب انطلاق قطار التعديلات الدستورية من محطته الأولى بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب ليصل محطة الحوار المجتمعي ويشارك الجميع بمختلف الأطياف فى حوار جاد على أسس وطنية مخلصة تُعلى مصلحة الدولة ولا تشوبها أهواء ومصالح شخصية.. فالمسألة ليست فى تأييد التعديلات أو رفضها، وإنما فى تقييمها ومدى ضرورتها للمرحلة الراهنة من تاريخ الأمة حتى نصل للمحطة الأخيرة ويقول الشعب كلمته فى استفتاء عام، فالشعب هو مصدر السلطات ومانحها وصاحب القرار فى الرفض أو القبول.

فالدستور هو ما استقر فى ضمير الأمة ويعبر عن إرداة الشعب، إنه العقد الاجتماعي الذى ينظم العلاقة بين السلطات ويضع قواعد الحكم ويحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، ومن ثم يُعد منصة انطلاق نحو بناء مجتمع مدني ديمقراطي يحفظ لأفراده حقوقهم السياسية، ويتيح لهم الاستقرار المنشود ويدفع عجلة التنمية والإنتاج.

وتتنوع الدساتير ما بين المدونة وهى المكتوبة، وغير المدونة التى يُطلق عليها "العرفية" كونها بمثابة قواعد حاكمة تعلو القوانين وتنظم العلاقة بين سلطات الدولة وتستقر فى ضمير الشعب، ويعتبر الدستور البريطانى المثال الأبرز على الدساتير غير المدونة. وغالبية دول العالم تتمتع بدساتير مكتوبة تتفاوت بين دساتير جامدة تعد بمثابة تاريخ، وأخرى تحظى بمرونة فى تعديلها لاسيما وأننا فى عصر يتميز بتغييرات سريعة ومتلاحقة.

وتجدر الإشارة فى معرض هذا الحديث إلى أن أكثر الدول الراسخة فى الديمقراطية قد دأبت على تعديل دساتيرها أكثر من مرة وفى مدد متقاربة، قد لا تعدو العام رغبة منها لترسيخ أوضاع جديدة بنصوص دستورية تتلائم مع المتغيرات الحديثة، وعلى رأسها فرنسا التى أدخلت لنحو 24 مرة تعديلات على دستورها الذى ولد مع الجمهورية الخامسة فى 1958، ومنها 3 تعديلات فى عام 2007، وكذا ألمانيا فمنذ أن وضعت دستورها الأخير عام 1949، تم تعديله 36 مرة، كان آخرها عام 2017، وغيرها الكثير من الدول التى لا يتسع المجال لذكرها.

فالحقيقة هى أن الدساتير أيا كان نوعها لا تعدو أن تكون نتاج فكر بشري به من القصور الكثير، فهى ليست صحفا مقدسة وإنما متغيرة بتغير الظروف والأوضاع، ولا يخلو التاريخ الدستورى لأى دولة من إيقاف العمل بالدستور أو إلغائه أو تعديله.     
وهنا تتبادر إلى الأذهان العديد من التساؤلات وأبرزها: متى تكون هناك حاجة لتعديل الدستور؟ ولماذا؟..اتفق الخبراء الدستوريون على أن الدساتير ليست نصوصا أبدية مقدسة صالحة لكل زمان ومكان، وإنما تخضع للتعديل وفق مقتضيات المجتمعات لتلبي غايات الشعوب التى تنشد مستقبلا أفضل، فعملية إدخال أى تعديلات أمر مهم وضرورى لمواكبة الظروف والاحتياجات الجديدة.

دستور الأزمات.. هل يصلح للبناء؟
ولا يختلف أحد على أن الدساتير تُولد من رحم الثورات وتجسد نبض الشعب الثائر ضد دستور بائد، فعندما جاءت ثورة 52 أسست لمبادىء ومفاهيم جديدة أسفرت بدورها عن وضع دستور عام 1956، الذى مثل نقطة انطلاق نحو بناء دولة مدنية مستقلة يتمتع أبناؤها بحقوق متساوية، ولكن هناك حقيقة يمكن أن يغفل عنها البعض؛ ألا وهى عملية إعداد الدستور فى اللحظات التاريخية الثورية والأوضاع الاستثنائية يمكن أن تشمل أفكارا غير منضبطة أو رؤية محدودة لا تستشرف الأوضاع مستقبلا حيث يكون الدستور قيد مفاوضات وأسير توافقات أطراف وجماعات معينة. 
فعقب ثورة 25 يناير 2011 وُضع دستور 2012 تحت سيطرة من جماعة الإخوان المسلمين وبدعم من المتأسلمين، مما أثر على قرار الشارع المصري وأنتج دستورا مشوها ذو صبغة عنصرية لا يحترم الآخر ولا يقدره، وعندما قامت ثورة 30 يونيو 2013 ثار الشعب المصري على ذلك الدستور، لما شعر به من تنافى مقاصد الدستور وطموحاته، ودأب على المطالبة بإعداد دستور جديد يحترم الشخصية المصرية وطموحات الشعب ويكفل للمواطنين كل الحقوق فى حياة كريمة تُمكنهم من التعمير والبناء.

وتشكلت "لجنة الخمسين" من رموز وطنية من خيرة المفكرين وأصحاب الرأى والخبرة فى مجالات عدة والذين بذلوا جهدا كبيرا فى إعداد وثيقة دستور 2014، وذلك فى ظل تحديات جمة كانت تواجهها الدولة المصرية داخليا وخارجيا، من إرهاب أسود إلى اقتصاد منهك وعلاقات خارجية متوترة، إلا أنه لا يمكن لأى شخص أن يُجزم بأن تلك الوثيقة هى الأفضل، فالآن وقد مر ما يناهز الخمس سنوات على كتابتها وتغيرت الأحوال فى الداخل والخارج وحققت مصر الكثير من الإنجازات شهد بها  العدو قبل الصديق، آن الأوان أن نراجع تلك الوثيقة بمنظور حديث لنرى مدى صلاحية نصوصها فى وقتنا الراهن والمستقبل القريب، وهذا لا يعنى بالضرورة تغيير بنودها وإنما يعنى المراجعة والمفاضلة للوصول للأفضل بعيدا عن أى محاولات للتشكيك أو مزايدات سياسية.
مما لا شك فيه أن فكرة تعديل الدستور هى المحرك الرئيسي للعملية السياسية حيث إن إجراء أى تعديل من شأنه أن يحرك المياه الراكدة للحياة السياسية والحزبية فى مصر، ويحفز أطراف العملية السياسية على المشاركة الفاعلة فى دراسة هذه التعديلات وأسبابها والفائدة التى ستعود على الدولة والمواطن عقب إقرارها، وبالتالى ينشأ حراك سياسي يبدد حالة الجمود ويحقق مصلحة الوطن، وتبقى كلمة الشعب هى الفيصل سواء أقر هذه التعديلات أو رفضها فى استفتاء شعبي يضمن القضاء نزاهته والقوات المسلحة والشرطة أمنه.

وعلى كل مصري محب لتراب بلده أن يُبدى رأيه دون خوف أو طمع سوى فى مستقبل أفضل ينهض بهذا الوطن، فمصر مازالت تنتظر الكثير من أبنائها المخلصين.. حفظ الله مصر وأدام وحدتها.