سعيد الأطروش يكتب: صرخة التاريخ.. من بغداد إلى الخليج

ما أشبه اليوم بالبارحة من بغداد إلى الخليج حين يتكرر المشهد، لا يبقى أمام العاقل سوى أن يقرأ التاريخ بعيون الحاضر، ويسترجع المأساة لا للبكاء على أطلالها، بل لاتقاء تكرارها.

نعود بالذاكرة إلى عام 1258، يوم دخل القائد المغولي هولاكو مدينة بغداد، فارتكب أبشع المجازر، وقتل الأمراء والجنود والعلماء والتجار والقضاة، ولم يُبقِ إلا على الخليفة المستعصم بالله، ليقوده ذليلاً إلى أماكن كنوزه.

دلّه الخليفة على الذهب والفضة والمجوهرات، بل على نهر مخبوء من الذهب لا يعرفه أحد سواه، فابتسم هولاكو ساخرًا وقال له:
“لو أنك أنفقت هذا المال على جنودك وشعبك، لكانوا دافعوا عنك”.

في مشهد من العار الإنساني، دخل الغازي بغداد، لا ليحكمها، بل ليمحو مجدها، حاصر القصور والعقول، ثم أطاح بكل ما تبقّى من عزّها، بعد أن جُرّد حاكمها من الهيبة، والبلاد من الحصانة.

لم تكن المصيبة في الهزيمة العسكرية وحدها، بل في خيانة الحكمة وسوء تقدير الأولويات، حين تُختزن الثروات خلف الأسوار، بينما يُترك الشعب بلا سند، والعلم بلا راية، والجيش بلا سلاح.

لم يكن الدرس خفيًا؛ فالسقوط لم يكن بفعل قوة العدو، بل بضعف الداخل وتراخي القيادة، حين استُبدلت القيم بالمظاهر، وضيعت الثروة في الترف، لا في تحصين الأوطان.

واليوم، يتكرر المشهد، ولكن بثوب معاصر.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب في إحدى جولاته بـ 500 مليون دولار من بعض دول الخليج، فوافقوا على 600 مليون، ثم طلب تريليون دولار (أي 1000 مليار دولار).

أموال طائلة تُدفع دون حساب، بينما لو وُجهت هذه المليارات نحو دعم الدول العربية، وتعزيز التعليم والبحث العلمي، وبناء الجيوش والتحالفات الاقتصادية، لما تجرأ أحد على التطاول على العرب.

إنها مأساة تتكرر.. ولكن بإرادتنا.

واليوم، وبعد قرون، تُقرع طبول الابتزاز مجددًا، لكن بأساليب حديثة، ولغات ناعمة تخفي أطماعًا عارية.

مليارات الدولارات تُدفع في صفقات، لا تعود على الأمة بقوة، ولا على الشعوب بأمن. تطالب بها قوى عظمى، فتُمنح بلا شروط، بينما يئن الأشقاء من الفقر والانقسام والخذلان.

لو وُظفت هذه الأموال في وحدة الصف، وفي مشروعات نهضوية تليق بحضارة العرب، لبُنيت قوة تُحسب، وصوت يُسمع.
لو أنفقت في العلم، لصنعنا عقولًا تبني لا تستجدي، ولو أُودعت في أيدي المخلصين، لصار لنا شأن بين الأمم.

لكن يبدو أن التاريخ لا يملّ من تكرار نفسه، وأننا لا نتقن قراءته إلا بعد فوات الأوان.
فهل نتعلم… أم ننتظر هولاكو جديد؟

الرابط المختصر
آخر الأخبار