ترامب يشكك في «استقلال الفيدرالي».. هل البنوك المركزية حرة فعلًا؟
هجمات ترامب المتكررة تثير الجدل حول استقلالية البنوك المركزية.. والاقتصاديون يتساءلون: هل الاستقلال قانوني أم مجرد وهم عملي؟
سلّطت هجمات دونالد ترامب الأخيرة على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول الضوء على قضية مركزية في الاقتصاد العالمي: استقلالية البنوك المركزية.
رغم أن هذا الاستقلال يُعتبر من ركائز السياسة النقدية الحديثة، فإن الفصل بين السياسة والاقتصاد يظل في كثير من الأحيان مجرد حبر على ورق، خصوصًا أن البنوك المركزية نفسها كيانات أنشأتها الحكومات.
ويشير محللون إلى أن هذا التناغم بين السلطات النقدية والتنفيذية يزداد وضوحًا خلال الأزمات الكبرى، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية أو جائحة كورونا.
استقلال نظري
وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى نوعين من الاستقلال:
- الاستقلال القانوني (De jure): القوانين المنظمة التي تحدد صلاحيات البنك وهيكله.
- الاستقلال العملي (De facto): قدرة البنك على اتخاذ قرارات فعلية دون تدخل سياسي.
وهنا تظهر المفارقة، إذ لا يعني وجود قوانين تضمن الاستقلال أن البنك يعمل بشكل مستقل، والعكس صحيح.
فعلى سبيل المثال، حصل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على تقييم 0.61 فقط من أصل 1 في مؤشر الاستقلالية، مقارنة بـ0.90 للبنك المركزي الأوروبي و0.66 لبنك الشعب الصيني. ومع ذلك، يحتفظ الفيدرالي الأميركي باستقلال فعلي أوسع، بفضل الشفافية والرقابة.
ضغوط متزايدة
واتهم ترامب باول مرارًا خلال الأشهر الماضية بعدم خفض أسعار الفائدة، ما أثار مخاوف من خرق خط أحمر يفصل بين السياسة النقدية والسياسية.
ووصفت جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأميركية السابقة، خطاب ترامب بأنه يليق بـ«زعيم جمهورية موز»، معتبرة تصريحاته سابقة خطيرة تمس هيبة البنك المركزي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن رئيس الفيدرالي هو حلقة الوصل الرئيسية مع البيت الأبيض، وأن 92٪ من تفاعلات الرؤساء الأميركيين كانت مع رئيس البنك نفسه، مما يعكس حجم التأثير السياسي المحتمل.
شعبوية ضد الاستقلال
وأثبتت دراسة منشورة عام 2022 أن كلما زادت سلطات البنك المركزي، زاد إغراء السياسيين للسيطرة عليه. وجاءت الدراسة بعد تحليل تعيينات رؤساء البنوك المركزية في 57 دولة، مشيرة إلى تصاعد هذا الاتجاه في ظل تنامي الشعبوية العالمية.
ويُنظر إلى تصرفات ترامب باعتبارها جزءًا من تيار دولي يسعى لكسر ما تبقى من استقلال البنوك المركزية، التي كانت حتى وقت قريب تحكم سياسات المال والائتمان من وراء حجاب.

