لا يختلف اثنان على أن قرار الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، بإعادة الانضباط إلى قطاع التمويل متناهي الصغر، كان خطوة طال انتظارها. خطوة تؤكد أن الدولة جادة في مواجهة الفوضى المالية التي استفحلت خلال السنوات الماضية، ودفعت ملايين المصريين إلى دوائر ديون خانقة لا يخرجون منها إلا إلى دائرة أشد.
ومَن تابع مقالي السابق يعرف جيدًا أنني حذّرت مرارًا من تغوّل عدد من شركات التمويل، التي تحولت عمليًا من أدوات دعم وتمكين اقتصادي إلى مصائد ديون لا تراعي ظروف الناس ولا أوضاعهم الاجتماعية. شركات ترفع شعارات التنمية والتمويل المسؤول، لكنها في الواقع لا تقدّم سوى فوائد مبالغ فيها ورسوم تُثقل كاهل المواطنين، فتزيدهم فقرًا بدل أن تساعدهم على بناء مشروع أو تحسين حياة.
قرار محمد فريد ليس مجرد إجراء إداري؛ بل رسالة سياسية واقتصادية بأن زمن الفوضى انتهى. وأن السوق المصري لن يُترك رهينة لممارسات تستنزف الناس تحت لافتة التمويل السهل. والحق يُقال: هذا القطاع بحاجة إلى مراجعة شاملة، لأن التجاوزات فيه لم تعد استثناءً بل أصبحت قاعدة لدى بعض الشركات.
ولذلك أقولها بوضوح:
عقبال “تساهيل” وإخوانها.
عقبال كل شركة قررت أن الربح السريع أهم من الناس، وأن المواطن مجرد رقم في دفتر تحصيل، وأن مستقبل الأسر لا يساوي شيئًا أمام عائد ربحي لا يتوقف.
مصر لن تنهض ويستقيم اقتصادها إلا حين يخضع التمويل لرقابة حقيقية، وتتحول الشركات من عبء على المجتمع إلى جزء من الحل. التمويل متناهي الصغر وُلد ليكون وسيلة للتمكين، لا وسيلة لخنق المواطنين. ولأن الدولة تتحرك اليوم في الاتجاه الصحيح، فإن الأمل كبير في أن تكون هذه القرارات بداية لتنظيف شامل لهذا القطاع، ووضع سقوف عادلة للفوائد، وآليات شفافة للحماية المالية، ونظام صارم يُحاسب المتجاوزين.
إن ما يحدث اليوم هو تصحيح مسار وليس استهدافًا لأحد. هو محاولة لإنقاذ ملايين الأسر من دوامة لم يعد لها نهاية، وإعادة فكرة التمويل إلى معناها الأصلي: مساعدة الناس على بدء حياة جديدة، وليس توريطهم في حياة أصعب.
ولأننا نريد اقتصادًا صحيًا ومجتمعًا أقوى، فإن هذا القرار خطوة أولى…
أما الخطوة الحقيقية فتكمن في أن نرى إصلاحات تطال كل شركة جعلت من التمويل تجارة للربح الربوي المبالغ فيه دون أي قيمة مضافة للمجتمع.
مرة أخرى… شكراً محمد فريد.
وعقبال “تساهيل” وإخوانها.

