هدم منزل صادق باشا يشعل جدل التراث في القاهرة ويعيد فتح ملف الذاكرة العمرانية

أعادت جرافات الحكومة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد العمراني المصري، بعد بدء أعمال هدم منزل صادق باشا، رئيس مجلس الشورى في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، بمنطقة الدرب الأحمر في قلب القاهرة التاريخية، وفق ما أكده موقع “باب مصر” المتخصص في قضايا التراث.

الخطوة لم تمر بهدوء، بل فجّرت موجة واسعة من الغضب والاستنكار بين المعماريين والمثقفين والمهتمين بصون التراث، الذين رأوا في الواقعة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تآكل الذاكرة العمرانية، بما يتناقض – في نظرهم – مع الخطاب الرسمي المتكرر حول تطوير القاهرة التاريخية والحفاظ على طابعها التراثي.

تناقض بين الخطاب والممارسة

جاءت الواقعة بعد أيام من تصريحات لوزير الإسكان شريف الشربيني، أدلى بها في 11 يناير الجاري لجريدة “الأهرام”، أكد فيها أن الدولة تولي ملف القاهرة التاريخية أولوية قصوى، وتسعى لإعادة توظيف المباني الأثرية والتراثية بما يحقق التوازن بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر، بهدف خلق نقاط جذب سياحي وتحسين الأوضاع العمرانية والاقتصادية للسكان.

غير أن معارضين يرون أن ما يجري على الأرض يعكس فجوة واضحة بين ما يُقال وما يُنفذ، معتبرين أن استمرار الهدم يقوّض مصداقية هذه التصريحات، ويضع علامات استفهام حول جدية سياسات الحفاظ على التراث.

ذريعة عدم التسجيل

وخلال السنوات الخمس الماضية، شهدت القاهرة موجات متلاحقة من هدم البيوت والمدافن والقباب التاريخية، غالبًا تحت ذريعة أنها “غير مسجلة كآثار”. إلا أن متخصصين يؤكدون أن هذه الذريعة تمثل، في نظرهم، التفافًا على القانون رقم 117 لسنة 1983، الذي يُلزم وزارة الآثار بتسجيل أي مبنى مر عليه أكثر من 100 عام.

ويرى هؤلاء أن عدم التسجيل لا ينبغي أن يكون مبررًا للهدم، بل يكشف عن تقاعس أو خلل مؤسسي تتحمل مسؤوليته الجهات المختصة، معتبرين أن الإهمال الإداري لا يجب أن يتحول إلى حكم بالإعدام على المباني التاريخية.

مقابر تُمحى وشواهد تُزال

وتعود جذور الأزمة إلى موجة الهدم الواسعة التي بدأت في أوائل عام 2021، بقرار من محافظة القاهرة لإزالة نحو 2700 مدفن بمنطقة السيدة عائشة، استنادًا إلى القرار الجمهوري رقم 1429 لسنة 2020، بدعوى المنفعة العامة لإنشاء محاور مرورية.

ورغم تشكيل لجنة حكومية بقرار رئاسي في مايو 2023، أوصت بوقف الهدم والبحث عن بدائل، فإن توصياتها – بحسب منتقدين – لم تُنفذ، واستمرت الإزالات.

وطالت أعمال الهدم مقابر وشواهد تاريخية بارزة، من بينها مقابر أحمد شوقي، ومحمود سامي البارودي، والإمام ورش، وعلي باشا فهمي، إلى جانب هدم قباب ومبانٍ تاريخية مثل قبة مستولدة محمد علي باشا، ومئذنة قنصوة الغوري. كما توسعت الإزالات لاحقًا لتشمل مبانٍ تراثية وقصورًا ومتاحف، تمهيدًا لمشروعات استثمارية، وفق منتقدين.

وفي عام 2023، أثار تقديم الحكومة طلبًا إلى منظمة اليونسكو لتقليص مساحة القاهرة التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي، موجة استنكار واسعة، باعتباره – في نظر معارضين – تمهيدًا لمواصلة الإزالات تحت غطاء إداري وقانوني.

الدرب الأحمر تفقد ملامح ذاكرتها

وقالت الدكتورة أمنية عبد البر، الباحثة بمتحف فيكتوريا وألبرت ومدير التنمية بالمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، إن منزل صادق باشا يُعد جزءًا أصيلًا من ذاكرة الدرب الأحمر، التي فقدت بالفعل عددًا من بيوتها التاريخية خلال السنوات الماضية، مثل بيت قراعة في 2012، وبيت المهندس في 2015، وبيت مدكور في 2023.

وأشارت إلى وجود عشرات البيوت الأخرى المهددة بقرارات إزالة، مطالبة الدولة بإصدار قرارات ترميم عاجلة، وداعية المجتمع المدني إلى الاضطلاع بدور أكبر في الدفاع عن التراث المصري.

وأكدت أن صادق باشا يمثل أحد رموز الدولة المصرية الحديثة، معتبرة أن هدم منزله يُعد استمرارًا لنهج يعتدي على التاريخ ويُفرغ الذاكرة العمرانية من رموزها.

السلامة الإنشائية

في المقابل، دعا الدكتور إسلام عاصم، نقيب المرشدين السياحيين السابق، إلى التريث وعدم إصدار أحكام مسبقة، مؤكدًا أن الصورة الكاملة للواقعة قد لا تكون متاحة للرأي العام.

وقال إن هناك أبعادًا تتعلق بالسلامة الإنشائية للمباني، وقد يكون المبنى مهددًا بالانهيار، ما يضع الجهات المسؤولة أمام تساؤلات قانونية وأمنية حول من يتحمل المسؤولية في حال وقوع أي حادث.

وأشار إلى أن أي مسؤول في الدولة لا يتخذ قرار هدم مبنى تراثي مهم عن عمد، مستشهدًا بتوجيهات القيادة السياسية بالحفاظ على المباني التراثية، ووجود قوانين واستثمارات موجهة لدعم هذا الاتجاه، معتبرًا أن أي تصرف مخالف لذلك يُعد خروجًا عن سياسة الدولة المعلنة.

قرارات الهدم بين القانون واللجان

وأوضح أن قرارات الهدم تخضع، من الناحية القانونية، لإجراءات ولجان متخصصة تعمل تحت إشراف جهات عليا، وأن أي تصريح هدم يصدر بناءً على وقائع محددة وتوصيات فنية، قد تشمل تقارير من مهندسين ومعماريين ومرممين بعدم إمكانية ترميم المبنى.

وشدد على أهمية عدم الانسياق وراء ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبًا الجهات المختصة بتوضيح مبررات القرار للرأي العام، لتفادي استغلال القضية خارجيًا بما قد يسيء إلى صورة الدولة.

الشفافية… الغائب الأكبر

واختتم عاصم بالتأكيد على أن الهدف ليس النقد من أجل النقد، بل الوصول إلى الحقيقة لتفادي تكرار الأخطاء، مشددًا على ضرورة إعلان الأسباب الفعلية للهدم، سواء كان القرار صادرًا من الدولة أو مرتبطًا بملكية خاصة، خاصة أن بعض المباني جرى هدمها سابقًا بمبادرة من أصحابها لأغراض البناء.

وطالب بأن تصدر التوضيحات من الجهات المختصة، مثل وزارة الثقافة، ووزارة السياحة، ومحافظة القاهرة، وهيئة التنسيق الحضاري، ورئاسة مجلس الوزراء، محذرًا من أن التأثير السلبي لمثل هذه الأحداث لا يطال التراث فقط، بل يمتد إلى قطاع السياحة وصورة مصر الثقافية، مؤكدًا أن المعلومات يجب أن تُبنى على بيانات رسمية لا على ما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار