وسط تغيّر الحكومات، وتبدّل الخطط، والإعلانات المتكررة عن استثمارات ومشروعات كبرى، يبقى السؤال البسيط والأكثر أهمية غائب: ماذا يريد المواطن نفسه؟
بعيدًا عن المؤتمرات، التقارير الاقتصادية، والأرقام الضخمة، المواطن — وخصوصًا محدود الدخل — يركز على تفاصيل حياته اليومية: دخله، الأسعار، الخدمات، ومستقبل أولاده. مطالبه تبدو بسيطة، لكنها تعكس أساس الاستقرار، الحياة الكريمة، والقدرة على التخطيط للمستقبل.
حياة مستقرة
يرى كثير من المواطنين أن أول ما ينتظرونه من الحكومة هو الاستقرار المعيشي الحقيقي.
أحد الموظفين يقول: «مش عايزين أكتر من دخل يكفّي الشهر من غير قلق أو ديون».
بالنسبة لهؤلاء، الاستقرار لا يعني فقط وجود عمل، بل دخل ثابت يواكب ارتفاع الأسعار ويمنح شعور بالأمان للتخطيط للمستقبل.
وقفة مع الغلاء المستمر
الغلاء المستمر هو الهم الأكثر حضورًا في أحاديث المواطنين.
ربة منزل تقول: «كل حاجة بتغلى بسرعة… والمرتب ثابت».
المواطن يربط أي حديث عن التنمية أو الاستثمارات الكبرى بقدرته الفعلية على شراء الاحتياجات اليومية الأساسية دون ضغط مستمر أو التضحية بالضروريات.
الخبراء يشيرون إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الدواجن، اللحوم، والخضروات يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية ويجعل المواطن أكثر حساسية لأي تغيير في أسعار المواد الاستهلاكية.
دخل يكفي
المطلب الأكثر تكرارًا هو دخل عادل يواكب تكاليف الحياة.
أحد العاملين يختصر الأمر قائلاً: «عايز مرتب يعيشني… مش يذلني».
وتابع: الدخل الكافي لم يعد رفاهية، بل ضرورة، خصوصًا مع مصاريف التعليم، العلاج، المواصلات، والمعيشة اليومية، فضلاً عن ضرورة أن يكون هناك توازن بين دخل المواطن وأسعار السوق.
خدمات محترمة
الخدمات العامة تمثل اختبارًا يوميًا لعلاقة المواطن بالدولة.
من المستشفيات إلى المدارس والمصالح الحكومية، المواطن يريد خدمة سريعة، واضحة، ومحترمة.
أحد كبار السن عبّر عن ذلك بقوله: «أهم حاجة لما أروح مستشفى أو مصلحة حكومية ألاقي معاملة آدمية وأخلص شغلي بسرعة».
كما أن جودة الخدمات العامة مرتبطة مباشرة بالشعور بالكرامة والاحترام، وبالتالي تحسين ثقة المواطن في الدولة.
فرص حقيقية
الشباب يضعون العمل في مقدمة أولوياتهم.
أحد الخريجين يقول: «مش عايزين وعود… عايزين شغل نقدر نبني بيه مستقبلنا».
الوظيفة المستقرة، براتب مناسب وفرص للتطور المهني، تمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء.
كما يرى الشباب أن مكافحة البطالة يجب أن تكون واقعية وعملية، وليس مجرد برامج نظرية، وأن توجيه الاستثمارات يجب أن يخلق فرص عمل حقيقية في قطاعات متعددة.
أمان يومي
الشعور بالأمان ليس فقط أمنيًا، بل اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا.
المواطن يريد أن يعرف شكل الغد، دون خوف من تقلبات مفاجئة، زيادات أسعار غير متوقعة، أو أعباء جديدة لا يستطيع تحملها.
خروج بعض السياسات السابقة التي زادت الأعباء على المواطنين، مثل قانون الإيجار الجديد، منح الأمل بأن القادم سيكون أفضل مع سياسات أكثر عدالة.
تعليم وصحة
المواطن يبحث عن مؤسسات تعليمية تقدم خدمة تعليمية مناسبة، ورعاية صحية جيدة، بأسعار تتناسب مع إمكانياته.
هذا يشمل التعليم الأساسي، التعليم الجامعي، والخدمات الصحية الوقائية والعلاجية، بما يضمن مستقبل أفضل للأبناء ويخفف من أعباء الأسرة الاقتصادية.
قال الخبير الاقتصادي الدكتور سامح عبد المنعم: «مطالب المواطن بسيطة وواضحة، لكنها أساسية لأي خطة تنموية ناجحة: دخل يكفي، أسعار عادلة، خدمات محترمة، فرص عمل حقيقية، تعليم وصحة جيدة، وحياة مستقرة يمكن التنبؤ بها.
المواطن اليوم ليس مهتمًا بالوعود الاستثمارية أو الأرقام الكبيرة على الورق، بل بما يراه على أرض الواقع في قدرته على شراء احتياجاته
اليومية، تسديد مصاريف التعليم والعلاج، وتأمين حياة كريمة له ولأسرته.
في الواقع الاقتصادي الحالي، هناك فجوة واضحة بين السياسات الاقتصادية على الورق وتأثيرها الفعلي على المواطن البسيط. المواطن لا يريد التعقيدات الإدارية أو الإجراءات البيروقراطية التي تبطئ وصول أي فائدة حقيقية له.
أي مشروع استثماري أو خطة تنموية يجب أن يكون له أثر ملموس وسريع على مستوى المعيشة: من القدرة على شراء الطعام، إلى سداد الإيجار، والمشاركة في التعليم، والحصول على خدمات صحية وعامة بجودة مناسبة.
واشار الى اهمية الاستقرار الاقتصادي يجب أن يقترن بحماية القدرة الشرائية ، والتحكم في التضخم، مراقبة أسعار السلع الأساسية، وتوفير أدوات دعم مباشر للأسر الأكثر احتياجًا.
من ناحية أخرى، الشباب بحاجة لفرص عمل حقيقية وليس وعودًا مؤقتة. الوظائف يجب أن تكون مستدامة وتتيح التطور، حتى لا يضطر المواطن إلى التفكير في الهجرة أو البحث عن فرص خارجية.
الاستقرار الاجتماعي، بحسب الخبير، مرتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي: كلما شعر المواطن بأن دخله كافٍ، وأسعاره متوازنة، وخدماته محترمة، زاد شعوره بالأمان والانتماء، وهو ما ينعكس إيجابيًا على نمو الاقتصاد وتعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
في النهاية، كل ما يريده المواطن بسيط جدًا، لكنه القاعدة الأساسية لأي خطة تنموية ناجحة. أي تجاهل لمطالب المواطن اليومية يعني فشل أي استراتيجية على المدى الطويل، مهما كانت ضخمة الاستثمارات أو كبيرة المشاريع».
