دكتور «مدبولي» .. تريث فالمواطن مطحون

لم تكن تنتهي أزمة حتى تبدأ أخرى. بهذه العبارة يمكن توصيف الحالة الاقتصادية التي عاشها المواطن خلال السنوات القليلة الماضية؛ موجات متتابعة من الضغوط وارتفاعات الأسعار والتقلبات، في وقت لم يمنح المجتمع فرصة كافية لاستعادة توازنه بين أزمة وأخرى.

لا شك أن جزءًا من هذه الضغوط يرتبط بظروف عالمية وإقليمية معقدة. فمنذ جائحة كورونا والعالم يمر بمرحلة من الاضطراب الاقتصادي الحاد، بداية من اختلال سلاسل الإمداد العالمية، مرورًا بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل خريطة الاقتصاد الدولي. وفي ظل هذه البيئة المضطربة، تصبح الاقتصادات الناشئة – ومنها الاقتصاد المصري – أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.

لكن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق فقط بوجود الأزمات، بل بكيفية إدارة آثارها داخل المجتمع. فخلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، واجه المواطن المصري موجات متتالية من ارتفاع تكاليف المعيشة، انعكست بشكل مباشر على قدرته الشرائية وعلى توازن ميزانيته اليومية.

ومع تكرار هذه الضغوط، أصبح من الواضح أن قدرة قطاع واسع من المواطنين على تحمّل أعباء إضافية باتت محدودة للغاية. وهنا تبرز مسألة شديدة الأهمية في إدارة الاقتصاد خلال فترات الأزمات: هل يصبح جيب المواطن هو المسار الأسرع لمعالجة كل اختلال اقتصادي؟

الخبرات الاقتصادية في دول ذات ظروف متشابهة تشير إلى أن تحميل المواطن كلفة الأزمات يجب أن يكون الخيار الأخير وليس الأول. فالاقتصاد في جوهره يقوم على التوازن بين القدرة الإنتاجية للمجتمع وبين قدرته الاستهلاكية، وعندما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بصورة متسارعة، فإن ذلك ينعكس تلقائيًا على حركة الأسواق وعلى مستويات الطلب، وهو ما يضعف النشاط الاقتصادي نفسه.

ولعل التجارب الدولية تقدم نماذج واضحة في هذا السياق. فدول مثل إندونيسيا والمغرب واجهت ضغوطًا مالية ونقدية حادة في مراحل مختلفة، لكنها حرصت على تحقيق توازن بين الإصلاح المالي وبين حماية الاستقرار الاجتماعي. فقد اتجهت إندونيسيا بعد الأزمة المالية الآسيوية إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية، بينما تبنّى المغرب نهجًا تدريجيًا في إصلاح منظومة الدعم مع التوسع في برامج الدعم النقدي للفئات الأكثر احتياجًا.

القاسم المشترك في هذه التجارب كان واضحًا: الإصلاح الاقتصادي لا ينجح إذا فقد المجتمع قدرته على التحمل.

وفي الحالة المصرية، تشير المؤشرات إلى وجود عناصر قوة يمكن البناء عليها، من بينها ارتفاع مستوى الاحتياطي النقدي إلى مستويات قوية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرًا من المرونة في التعامل مع المتغيرات. كما أن تحركات سعر الصرف تظل مرتبطة في النهاية بمعادلة العرض والطلب في السوق، وهو ما يفسر وصول الدولار إلى مستويات تقارب الخمسين جنيهًا في هذا الإطار.

غير أن جوهر المسألة لا يكمن في المؤشرات المالية وحدها، بل في كيفية إدارة آثار هذه المتغيرات على المجتمع. فالثقة بين المواطن وصانع القرار تمثل أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي، وكلما زادت الشفافية في عرض التحديات والخيارات، زادت قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف الصعبة.

إن الاقتصاد القوي لا يقاس فقط بصلابة احتياطياته النقدية أو بقدرته على تجاوز الأزمات المالية، بل يقاس كذلك بقدرته على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

ولهذا فإن الرسالة التي تفرضها طبيعة المرحلة تبدو واضحة:
دولة رئيس الوزراء دكتور مدبولي تريث في اللجوء الي جيب مواطن مطحون فالإصلاح الاقتصادي ضرورة، لكن التسرع في اللجوء إلى جيب المواطن ليس دائمًا الحل الأكثر حكمة. فالمواطن هو أساس الاقتصاد ومحركه الحقيقي، وحماية قدرته على الحياة الكريمة ليست فقط واجبًا اجتماعيًا، بل هي أيضًا شرط أساسي لاستدامة النمو والاستقرار الاقتصادي

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار