أكد الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية، في كلمة ألقاها نيابة عنه ممثل دار الإفتاء المصرية خلال مؤتمر بجامعة الأزهر بأسيوط، أهمية اللقاء العلمي في تعزيز الوعي بدور التواصل المعرفي في بناء الحضارات وتبادل الخبرات الإنسانية.
القيم الإنسانية
وأوضح مفتي الجمهورية أن موضوع المؤتمر يُعد من القضايا المحورية التي تجسد القيم الإنسانية والحضارية التي دعا إليها الإسلام، وطبقها المسلمون عبر تاريخهم، مشيرًا إلى أن التواصل المعرفي يمثل أحد أهم ركائز عمران الإنسان.
وأضاف أن هذا التواصل يفتح آفاقًا أوسع لتلاقي العقول وتكامل الخبرات، وينقل المعرفة من نطاق الفرد إلى رحابة المجتمع، بما يسهم في إنتاج علم ممتد الأثر عبر الأزمنة والأمكنة.
الوحدة الإنسانية
وأوضح أن هذا المفهوم متجذر في مقصد التعارف الذي قرره القرآن الكريم، وهو مقصد لا يقتصر على مجرد التلاقي الشكلي بين الأمم والشعوب، بل يتجاوز ذلك إلى معرفة واعية بالآخر تؤدي إلى التكامل والوحدة الإنسانية.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
وأشار إلى أن السُّنة النبوية الشريفة جاءت مؤكدة هذا المعنى.
حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم، الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، وهو ما يعكس انفتاح الحضارة الإسلامية على مختلف مصادر المعرفة النافعة، واستعدادها الدائم للتفاعل الإيجابي.
وأضاف أن المسلمين في المشرق والمغرب حرصوا على مر العصور على توثيق هذا التواصل المعرفي بما يعزز مفهوم الأمة الواحدة ويسهم في تحقيق التقدم والازدهار.
التواصل المعرفي
وأوضح أن التواصل المعرفي لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل كان واقعًا تاريخيًا عاشته الأمة الإسلامية عبر عصورها المختلفة.
وأشار إلى أن هذا الواقع تجلّى في كتابات العلماء والمؤرخين الذين وثقوا حركة انتقال العلم بين الأقطار، وتتبعوا مسارات العلماء وما جرى بينهم من تبادل للأخذ والعطاء العلمي.
الرحلة العلمية
وذكر أن مصر تمثل أنموذجًا بارزًا لهذا الامتداد المعرفي بين المشرق والمغرب؛ فقد تهيأت لها من الخصائص الجغرافية ما جعلها محطة رئيسة في طرق الرحلة العلمية.
حيث كانت الطرق البرية والبحرية تؤدي إليها، ومن خلالها تتفرع المسارات إلى أقطار متعددة.
وقال إن الأزهر الشريف برز بوصفه نموذجًا فريدًا للمؤسسة العلمية الجامعة التي استطاعت أن تجمع بين تنوع المشارب ووحدة المقصد.
وشدد على أن العالم المعاصر في أمسِّ الحاجة إلى استعادة هذا النموذج الحضاري من التواصل المعرفي والثقافي بين المشارقة والمغاربة، بما يسهم في مواجهة التحديات المشتركة.
واعرب عن تطلعه إلى أن يسهم هذا المؤتمر في بلورة آليات عملية وبرامج علمية جادة تعزز هذا التواصل.
كما صرَّح باستعداد دار الإفتاء المصرية وجاهزيتها الكاملة للتعاون مع المؤسسات العلمية المختلفة في تنفيذ هذه البرامج وَفْقَ الأطر المنهجية التي ستنبثق عن هذا المؤتمر، بما يسهم في خدمة قضايا الأمة وتعزيز مسيرتها الحضارية.

