محاربة الفساد لا تبدأ من السجون والمحاكم فقط، بل تمتد إلى ما قبل ذلك بكثير، عند آليات الاختيار والتعيين والترقي. فكل منصب يُشغَل على أساس الكفاءة يمثل مكسبًا للعدالة، بينما أي منصب يُمنح بالمحسوبية يُعد خسارة للدولة، حتى إن لم يظهر أثرها فورًا.
أتذكر شابًا أعرفه جيدًا، كان يعود إلى منزله كل يوم محمّلًا بملفات شهاداته وخبراته ودوراته التدريبية. وكان يؤمن أن الاجتهاد هو الطريق الطبيعي للنجاح. لكن في كل مرة كان يتقدم فيها لوظيفة أو فرصة، كان يسمع الجملة نفسها: «المكان اتحجز» أو «الموضوع خلص».
لم يكن ينقصه علم ولا خبرة ولا رغبة في العمل، لكنه كان يصطدم دائمًا بجدار واحد: الواسطة والمحسوبية.
وفي المقابل، كان يرى آخرين يتقدمون عليه، ليس لأنهم أفضل، بل لأنهم أقرب إلى أصحاب القرار.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل هي واقع يعيشه آلاف الشباب الذين يبحثون عن فرصة عادلة، يكون معيارها الكفاءة لا العلاقات، والقدرة لا المجاملة.
لذلك فإن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاعتماد على الكفاءة والجدارة والشفافية في التعيينات واختيار القيادات تمثل رسالة أمل حقيقية لكل شاب ما زال يؤمن بأن جهده لن يضيع.
الدول لا تنهض بالمجاملات، ولا تبني اقتصادًا قويًا بالمحسوبية. فالتقدم يبدأ عندما يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وقد أدركت دول عديدة هذه الحقيقة، وحققت نهضات اقتصادية كبيرة، وعلى رأسها ماليزيا، التي فهمت مبكرًا أن التنمية تبدأ من الإنسان الكفء، وأن المؤسسات القوية لا يصنعها النفوذ، بل يصنعها العلم والخبرة والإنجاز.
والحقيقة التي يجب إدراكها أن الفساد لا يقتصر على سرقة المال العام أو الاعتداء على حقوق الدولة، بل يشمل أيضًا منح منصب لمن لا يستحقه، وحرمان من يستحقه من فرصته.
في هذه الحالة لا يُظلم فرد فقط، بل تُظلم مؤسسة كاملة، وقد تخسر الدولة سنوات من التقدم بسبب قرار غير عادل.
ولعل الأمل الدائم أن سنن الحياة لا تتغير.
قد ينجح صاحب الواسطة لفترة، وقد يبدو الطريق ممهّدًا أمامه، لكن التجارب تثبت أن من يحصل على ما لا يستحقه يعيش دائمًا تحت ضغط الخوف، وأن من يأخذ حق غيره يدفع الثمن في وقت لاحق.
التاريخ مليء بأشخاص صعدوا دون استحقاق ثم سقطوا عند أول اختبار حقيقي، كما أنه مليء بشباب تأخر وصولهم، لكنهم عندما وصلوا أثبتوا أنهم الأجدر.
لهذا الرسالة لكل شاب يشعر بالإحباط: استمر في التعلم، وطوّر نفسك، ولا تسمح للنماذج السلبية أن تسرق منك الأمل.
فكل خطوة تتجه فيها الدولة نحو ترسيخ الكفاءة والشفافية هي خطوة لصالحك.
وكل منصب يُمنح لمستحقه هو تأكيد أن المستقبل يمكن أن يكون أكثر عدلًا.
مصر تحتاج إلى العقول المبدعة، وإلى الشباب المبتكر، وإلى أصحاب الفكر لا أصحاب الوساطة.
وتغيير ثقافة التعيينات من المحسوبية إلى الجدارة ليس مجرد قرار إداري، بل هو مشروع وطني ينعكس على الاقتصاد والمجتمع، ويزيد الإنتاجية، ويعزز الثقة، ويمنح إحساسًا حقيقيًا بتكافؤ الفرص.
ويبقى السؤال الأهم دائمًا: هل يكون المعيار «من هو الأكفأ؟» بدلًا من «من يعرف من؟».
وعندما يحدث ذلك، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مواجهة أخطر أشكال الفساد، وبناء دولة أكثر عدلًا وقوة.

