شركة النصر للسيارات، بينما كان الحبر يجف على وثيقة الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين شركة “النصر لصناعة السيارات” وعملاق التصنيع الصيني “مجموعة فاو كار” (FAW Car)، لم يكن الأمر مجرد صفقة تجارية اعتيادية؛ بل كان إعلانًا رسميًا بعودة “الابن الضال” للصناعة المصرية إلى الحياة بروح العصر، لتدور عجلة الإنتاج مجددًا داخل مصانع وادي حوف وتحت شعار تاريخي لطالما ارتبط بوجدان المصريين: علامة “نصر”.
حلم “صُنِع في مصر” وثورة يوليو
في أواخر الخمسينيات، وتحديداً في عام 1957، أمر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتشكيل لجنة لبحث إنشاء أول شركة لصناعة السيارات في مصر والعالم العربي، ليكون المشروع بمثابة القاطرة التي تقود الصناعة الثقيلة للدولة الوليدة.
وفي عام 1960، صدر القرار الجمهوري برقم 913 لتأسيس “شركة النصر لصناعة السيارات” على مساحة شاسعة تقترب من 900 ألف متر مربع في منطقة وادي حوف بحلوان.
ولم يكن الهدف مجرد تجميع السيارات، بل الانتقال التدريجي نحو التصنيع الكامل، لتدعم الشركة خطط الدولة في إنتاج اللواري، الأتوبيسات، والجرارات، بجانب سيارات الركوب.

سيارات شكلت وجدان الشارع المصري
سرعان ما تحولت “النصر” إلى خلية نحل تضم أكثر من 10 آلاف عامل وفني.
وعبر شراكات شهيرة، أبرزها مع شركة “فيات” الإيطالية وشركات يوجوسلافية وتركية، تحولت سيارات النصر إلى القاسم المشترك في كل شارع مصري.
وكانت البداية مع “نصر 128” بالتعاون مع يوجو الصربية، والتي أصبحت سيارة الشعب الأولى والأكثر صموداً في الشوارع، تلتها “نصر شاهين” الموديل التركي المعدل عن “فيات 131”.
والتي تحولت إلى السيارة الرسمية لـ “التاكسي الأبيض والأسود” والطبقة المتوسطة لفترات طويلة، بالإضافة إلى طرازي “نصر 125″ و”131” اللذين شكلا مظهر سيارات العائلات والوجاهة الاجتماعية في السبعينيات والثمانينيات.
الانتكاسة
مع الانفتاح الاقتصادي وغياب خطط التطوير التكنولوجي لمواكبة المعايير العالمية، بدأت “النصر للسيارات” تعاني من أزمات مالية حادة وتراكم للمديونيات التي بلغت نحو ملياري جنيه.

وفي عام 2009، اتُخذ القرار الأصعب في تاريخ الشركة ببدء إجراءات تصفيتها، وتقليص عمالتها بشكل حاد ليخيم الهدوء على مصانعها التسعة، وتتوقف خطوط الإنتاج تماماً في عام 2015.
شطب هذا القرار واحداً من أهم المعالم الصناعية في الشرق الأوسط، وبدت فكرة إنتاج سيارة مصرية وكأنها أصبحت ضرباً من الماضي.
خطة الإنقاذ وتوطين التكنولوجيا
لم تترك الدولة المصرية هذا الإرث ليموت؛ ففي السنوات الأخيرة بدأت تحركات جادة لإلغاء قرار التصفية وتسوية المديونيات وإعادة إحياء الشركة كجزء من استراتيجية قومية لتوطين صناعة السيارات الحديثة والكهربائية.
وفي نوفمبر 2024، شهد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي احتفالية عودة الشركة للإنتاج وبدء العمل بمصنع الأتوبيسات بعد توقف دام 15 عاماً، من خلال شراكات مرنة أسستها الشركة مع القطاع الخاص المصري والأجنبي لضمان التمويل والتوزيع الذكي.

الرهان الصيني وبوابة التصدير
ويأتي التوقيع الأحدث مع مجموعة “فاو كار” (FAW Car) الصينية ليمثل النقلة النوعية الأبرز في مسيرة المصنع العريق.
وتقوم فلسفة الشراكة الجديدة على نقل أحدث تكنولوجيات التصنيع، وزيادة نسب المكون المحلي تدريجياً، لتقديم سيارات ركوب حديثة ومنافسة تحمل العلامة التجارية التاريخية “نصر” بمواصفات ومعايير عالمية تلبي احتياجات السوق المحلية، مع التطلع لفتح أسواق تصديرية إقليمية ودولية.
من عجلات “الـ 128” البسيطة التي قادها آباء وأجداد الجيل الحالي، إلى التكنولوجيا الذكية لـ “فاو” الصينية، تعود “النصر للسيارات” لتثبت أن القلاع الصناعية الكبرى قد تمرض، لكنها بالرؤية والإرادة.. لا تموت.

