قبل عام واحد، كانت الدول النامية المثقلة بالديون تواجه صعوبة كبيرة في الحصول على تمويلات جديدة، في ظل مخاوف المستثمرين من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وهو ما انعكس على أسعار سنداتها الحكومية المتداولة في الأسواق، التي تراجعت مع ارتفاع مستويات المخاطر.
لكن هذا المشهد بدأ في التغير تدريجيًا، بعدما توصلت دول من بينها الأرجنتين وغانا وسريلانكا وزامبيا إلى اتفاقات مع دائنيها لإعادة ترتيب مواعيد وشروط سداد الديون، وهو ما ساهم في استعادة جزء من ثقة المستثمرين ورفع القيمة السوقية لسندات هذه الدول.
إعادة هيكلة الديون
لا تعني إعادة هيكلة الديون بالضرورة تخلف الدولة عن السداد أو تهربها من التزاماتها، وإنما تعكس عملية تفاوض مع الدائنين لتعديل شروط السداد بما يتناسب مع القدرة المالية للدولة، سواء من خلال إطالة آجال القروض، أو تأجيل بعض الأقساط، أو خفض تكلفة التمويل.
وتنعكس هذه الاتفاقات على نظرة المستثمرين إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وبالتالي على أسعار السندات الحكومية التي تصدرها في الأسواق.
كيف ترتفع قيمة الديون؟
قد يبدو ارتفاع أو انخفاض قيمة الدين أمرًا غير معتاد، إلا أن السندات الحكومية يمكن تداولها بين المستثمرين قبل حلول موعد استحقاقها.
وكلما تحسنت ثقة المستثمرين في قدرة الدولة على السداد، ارتفع السعر الذي يصبحون مستعدين لدفعه لشراء سنداتها، بينما تؤدي زيادة المخاوف من التعثر إلى انخفاض قيمتها السوقية.
وبحسب البيانات، كانت ديون الدول النامية التي أعادت ترتيب أوضاعها مع الدائنين تتداول في أبريل 2025 عند نحو 72% من قيمتها الأصلية، قبل أن ترتفع إلى 78% في مايو، ثم 82% في يونيو، و86% في يوليو، و88% في أغسطس، وصولًا إلى 91% في سبتمبر.
وبعد تراجعها إلى 89% في أكتوبر، عادت القيمة إلى الارتفاع لتصل إلى 92% في نوفمبر و94% في ديسمبر، ثم سجلت 97% في يناير 2026، قبل أن تستقر عند مستويات تراوحت بين 95% و96% في فبراير.
وبذلك ارتفعت قيمة هذه الديون بنحو 24 نقطة مئوية خلال أقل من عام، في مؤشر على تحسن ملحوظ في ثقة المستثمرين بقدرة هذه الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية.
الدول التي لم تعِد ترتيب ديونها
امتد التحسن أيضًا إلى الدول التي لم تتوصل إلى اتفاقات مع الدائنين بشأن إعادة ترتيب ديونها، مستفيدة من تحسن النظرة العامة تجاه الأسواق الناشئة، إلا أن مستوى الثقة بها ظل أقل مقارنة بالدول التي نجحت في التوصل إلى حلول بشأن ديونها.
وبدأت قيمة سندات هذه الدول عند نحو 66% من قيمتها الأصلية في أبريل 2025، قبل أن ترتفع إلى 68% في مايو و73% في يونيو، ثم تتراجع إلى 69% في يوليو.
واستأنفت السندات مسارها الصعودي بعد ذلك، لتصل إلى 77% في أغسطس، و80% في سبتمبر، و81% في أكتوبر، ثم 86% في نوفمبر و87% في ديسمبر، وصولًا إلى 93% في يناير و94% في فبراير 2026.
ارتفاع السندات
ورغم التحسن الملحوظ في أسعار سندات الدول النامية، فإن ارتفاع قيمتها السوقية لا يعني بالضرورة أن أوضاعها الاقتصادية أصبحت مستقرة أو أن مخاطر الديون انتهت.
ففي الدول التي أعادت ترتيب ديونها وتوصلت إلى اتفاقات مع الدائنين، لا تزال مستويات الدين مرتفعة، إذ تراوحت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بين نحو 55% و105%.
وبالمثل، تراوحت نسبة الدين إلى الناتج المحلي في الدول التي لم تُعد ترتيب ديونها بين 50% و108%، بما يعكس استمرار الضغوط المالية وحالة عدم اليقين بشأن قدرة بعض هذه الاقتصادات على إدارة أعباء ديونها.
وتشير هذه التطورات إلى أن تحسن أسعار السندات يعكس بالأساس تغيرًا في نظرة المستثمرين وتراجعًا نسبيًا في علاوة المخاطر، لكنه لا يمثل بمفرده دليلًا على انتهاء أزمة الديون، إذ تظل مستويات المديونية وقدرة الحكومات على تحقيق نمو مستدام وإدارة التزاماتها عوامل حاسمة في تحديد مستقبل هذه الأسواق.

