تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارة مرتقبة تعيد إلى الواجهة واحدة من أهم الشراكات التي بنتها مصر خلال السنوات الأخيرة، في وقت تبدو فيه بكين حريصة على توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في مصر والمنطقة.
فالزيارة المرتقبة لا تأتي باعتبارها مجرد محطة دبلوماسية عابرة، وإنما في توقيت تشهد فيه العلاقات المصرية الصينية زخمًا متزايدًا، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
بكين ترى القاهرة في موقع مختلف
الصين نفسها تصف مستوى العلاقات مع مصر بأنه وصل إلى «أفضل حالاته في التاريخ»، وفق ما نقلته صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست عن وزارة الخارجية الصينية.
هذا التوصيف يكشف حجم الرهان الصيني على القاهرة، خصوصًا أن مصر تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي، وثقل عربي وأفريقي، ودور مؤثر في عدد من الملفات الإقليمية.
ومن المنتظر أن تستهدف زيارة شي البناء على هذا المسار، ليس فقط من خلال تأكيد الشراكة الاستراتيجية القائمة، وإنما عبر فتح مجالات جديدة للتعاون خلال السنوات المقبلة.
بعد 10 سنوات.. شي يعود إلى القاهرة
تحمل الزيارة المرتقبة دلالة إضافية؛ فهي الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ يناير 2016.
وخلال زيارته السابقة، ألقى شي كلمة أمام جامعة الدول العربية، بالتزامن مع توقيع عدد من الاتفاقيات التي شملت قطاعات البنية التحتية والطاقة والتمويل والتنمية الصناعية.
لكن المشهد تغير كثيرًا خلال العقد الماضي، إذ توسعت الشراكة بين القاهرة وبكين، وأصبحت الشركات والاستثمارات الصينية حاضرة في عدد من المشروعات والقطاعات المصرية.
وفي المقابل، حافظ الرئيس عبد الفتاح السيسي على مستوى مرتفع من التواصل مع بكين، بعدما زار الصين 8 مرات، كانت أحدثها في مايو 2024.
لماذا تهم الزيارة الصين؟
بحسب جون كالابريس، الزميل الأول غير المقيم في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، فإن زيارة شي تمنح الصين فرصة لإظهار طبيعة شراكتها طويلة الأمد مع دولة عربية وأفريقية ذات ثقل إقليمي.
وتكتسب مصر أهمية خاصة في الرؤية الصينية باعتبارها إحدى الدول الرئيسية في الجنوب العالمي، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة اتصال مهمة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ومن هنا، فإن تعزيز العلاقات مع القاهرة يمنح بكين مساحة أوسع للتحرك اقتصاديًا وسياسيًا في المنطقة، كما يوفر لها شريكًا مهمًا في عدد من الملفات الدولية والإقليمية.
الحزام والطريق يعود إلى الواجهة
اقتصاديًا، يمكن أن تحمل الزيارة دفعة جديدة للتعاون في التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والصناعة، وهي قطاعات شكلت خلال السنوات الماضية العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
كما يبرز احتمال طرح ملف استخدام اليوان في المعاملات الثنائية، بما يعكس اتجاهًا نحو توسيع أدوات التعاون المالي والتجاري وتقليل الاعتماد على قنوات التسوية التقليدية.
وفي حال تطور هذا المسار، فقد يمنح التجارة والاستثمارات المتبادلة بين البلدين أداة إضافية للتعامل مع المدفوعات، إلى جانب ما يمكن أن يتيحه من توسيع نطاق التعاون المالي بين المؤسسات المصرية والصينية.
شراكة تبحث عن مرحلة جديدة
لكن أهمية الزيارة لا تتوقف عند الاتفاقيات الاقتصادية المحتملة.
فالقاهرة وبكين تتحركان في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، من أزمات الشرق الأوسط إلى التنافس الدولي على النفوذ والأسواق وسلاسل الإمداد.
وبالتالي، فإن عودة الرئيس الصيني إلى القاهرة بعد نحو عقد قد تكون فرصة لإعادة تعريف شكل الشراكة بين البلدين، بحيث لا تظل محصورة في مشروعات البنية التحتية والاستثمار، وإنما تمتد إلى تنسيق سياسي أكبر بشأن الملفات الإقليمية والدولية.
وبين زيارة شي الأولى في 2016 والزيارة المرتقبة اليوم، قطعت العلاقات المصرية الصينية شوطًا طويلًا.
والسؤال الآن ليس فقط ماذا ستضيف زيارة الرئيس الصيني إلى حجم التجارة والاستثمار بين البلدين، وإنما ما إذا كانت ستدشن مرحلة جديدة من الشراكة المصرية الصينية، تتحول فيها العلاقة من تعاون اقتصادي واسع إلى شراكة ذات أبعاد سياسية ومالية واستراتيجية أكثر عمقًا.

