في زيارته الأولى إلى مصر عام 2016، لم يكن الرئيس الصيني شي جين بينغ ينظر إلى القاهرة باعتبارها مجرد محطة سياسية في الشرق الأوسط، وإنما باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والعالم العربي، وموقعًا يمكن أن يصبح جزءًا من شبكة التجارة والاستثمار الصينية العالمية.
وبعد عشر سنوات، يعود شي جين بينغ إلى مصر، في سبتمبر 2026، بينما تبدو التجربة الصينية أكثر وضوحًا أمام العالم: دولة استطاعت أن تجعل من القطاع الخاص أحد أهم محركات التجارة والإنتاج والتصدير، دون أن تتعامل معه باعتباره خصمًا للدولة أو منافسًا لها.
هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف أمامها في مصر.
ففي الفكر الاقتصادي الصيني، الدولة لا تتخلى عن دورها عندما تمنح القطاع الخاص مساحة أكبر، بل تعيد تعريف هذا الدور: تضع الاستراتيجية، وتوفر البنية التحتية، وتفتح الأسواق، وتيسر التمويل، وتحمي المنافسة، ثم تترك للمستثمر مساحة الحركة والابتكار.
والأرقام في 2026 تعكس حجم هذا التحول؛ فقد بلغت التجارة الخارجية الصينية خلال النصف الأول من العام 25.47 تريليون يوان، بزيادة 16.9% على أساس سنوي، بينما استحوذت الشركات الخاصة على النصيب الأكبر من التجارة الخارجية الصينية. (State Council of China)
والأهم أن بكين لم تكتفِ بترديد خطاب دعم القطاع الخاص؛ ففي 2025 أصدرت الصين أول قانون أساسي مخصص لتعزيز الاقتصاد الخاص، مستهدفًا تحسين المنافسة العادلة، والتمويل، والاستثمار، والابتكار وحماية الحقوق.
هنا تكمن الفكرة التي يمكن لمصر أن تتعلم منها:
المستثمر ليس عبئًا على الدولة حتى تمنحه حوافز، وإنما أداة من أدوات تحقيق أهداف الدولة الاقتصادية.
والفارق كبير.
فإذا أردنا زيادة الصادرات المصرية، لا يكفي أن نقول للمصنع: «صدّر». المطلوب أن نبني حوله منظومة تجعل التصدير ممكنًا ومربحًا ومستدامًا؛ من التمويل ورد الأعباء الضريبية إلى التأمين واللوجستيات وتمويل المشتري الخارجي وفتح الأسواق.
وهذا تحديدًا ما يجعل العودة الثانية لشي جين بينغ إلى مصر فرصة لقراءة التجربة الصينية من زاوية مختلفة:
كيف تعاملت الصين مع المستثمر باعتباره شريكًا في بناء قوة الدولة؟

