أمين عام الاتحاد الإقليمي للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالجيزة
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر ليست مجرد محطة جديدة في العلاقات التاريخية بين القاهرة وبكين، وإنما تحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: مصر تريد أن تنتقل بالعلاقة مع الصين من الشراكة إلى صناعة المستقبل.
القمة المصرية الصينية التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني جاءت في توقيت بالغ الأهمية، وشهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، إلى جانب خطوات لتعزيز التعاون المالي وتبادل العملات.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا وقعت مصر مع الصين؟ بل ماذا ستجني مصر من هذه الاتفاقات؟
الصين قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، ومصر تمتلك موقعًا استراتيجيًا يجعلها بوابة طبيعية للأسواق العربية والأفريقية، فضلًا عن قناة السويس والمنطقة الاقتصادية وما توفره من فرص للصناعة والخدمات اللوجستية.
وهنا يجب أن تكون المعادلة المصرية واضحة:
لا نريد الصين كمصدر للسلع فقط، وإنما كشريك في التصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات المصرية.
وهذه هي النقلة التي يمكن أن تجعل العلاقات المصرية الصينية أكثر فائدة للمواطن والاقتصاد المصري.
فالاستثمار الحقيقي ليس مجرد مصنع يُقام على أرض مصر، وإنما مصنع يخلق فرص عمل، وينقل خبرة، ويستخدم مكونات محلية، وينتج سلعة قادرة على المنافسة والتصدير.
كما أن تعزيز التعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي يفتح أمام مصر فرصة مهمة لبناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة، بشرط ألا يتوقف التعاون عند استيراد التكنولوجيا، بل يمتد إلى توطينها وتدريب الشباب المصري على إنتاجها وتطويرها.
والأهم أن الشراكة المصرية الصينية يجب أن تساهم في معالجة أحد أهم التحديات الاقتصادية، وهو زيادة الصادرات وتقليل الفجوة التجارية.
مصر لا يجب أن تكون مجرد سوق للمنتجات الصينية.. بل منصة للإنتاج والتصدير إلى أفريقيا والعالم العربي.
وهنا تظهر قيمة الموقع المصري وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية، باعتبارها أوراقًا تفاوضية واقتصادية تستطيع القاهرة أن تبني عليها شراكة أكثر توازنًا مع بكين.
زيارة الرئيس الصيني إذن تحمل فرصة كبيرة، لكن الفرص لا تصنع النجاح وحدها.
النجاح يبدأ عندما تتحول الاتفاقيات إلى مصانع، والمصانع إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والاستثمارات إلى فرص عمل، والتكنولوجيا إلى معرفة مصرية.
لقد بدأت مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الصينية.
والتحدي الآن ليس توقيع الاتفاقيات.. وإنما حسن تنفيذها وتحقيق أقصى عائد منها لصالح الاقتصاد والمواطن المصري.
هذه هي «صفقة المستقبل» التي يجب أن تبحث عنها مصر مع الصين.
شراكة تُنتج.. لا شراكة تستهلك.
وتكنولوجيا تُوطّن.. لا تكنولوجيا تُستورد فقط.
واستثمار يفتح أسواقًا.. لا استثمار يضيف سوقًا جديدة للمنتجات.
وهنا سيكون المقياس الحقيقي لنجاح زيارة الرئيس الصيني إلى مصر.

