يتحرك الذهب خلال الفترة الحالية بين عاملين متناقضين؛ ضغوط تأتي من توقعات السياسة النقدية الأمريكية، ودعم توفره المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية، لتبقى الأسعار في نطاق متذبذب رغم اقترابها من مستويات تاريخية مرتفعة.
وأنهت الأوقية تعاملات الجمعة 11 سبتمبر عند نحو 4366 دولارًا، بعدما تراجع الذهب بنحو 1.4% خلال الأسبوع، في وقت تترقب فيه الأسواق اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب.
المعادلة التي تحكم السوق حاليًا تبدو واضحة: كلما ارتفعت جاذبية العائد على الدولار والسندات، زادت الضغوط على الذهب، بينما يمكن أن تعيد حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي المستثمرين إلى المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا.
الفائدة تضغط على المعدن النفيس
تأتي توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية في مقدمة العوامل التي تفسر الضغوط الأخيرة على الذهب.
فارتفاع الفائدة وعوائد السندات يجعل الأصول المدرة للعائد أكثر جاذبية للمستثمرين، في حين لا يوفر الذهب عائدًا دوريًا، ما قد يدفع بعض السيولة بعيدًا عنه.
وقد انعكس ذلك بالفعل على حركة المعدن خلال الأسبوع الماضي، مع ارتفاع توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة الأمريكية في اجتماع سبتمبر، وهو ما ساهم في تراجع الأسعار.
لكن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة أن مسار الذهب أصبح هابطًا بصورة محسومة، إذ لا يزال هناك عامل آخر قادر على تغيير المعادلة سريعًا.
الذهب سندًا
في الجانب المقابل، تستمر التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالاقتصاد والتضخم في دعم الطلب على الذهب، باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون عندما ترتفع مستويات عدم اليقين.
وهذا التداخل بين تأثير الفائدة من جهة، والطلب على الملاذات الآمنة من جهة أخرى، يجعل توقع اتجاه الذهب على المدى القريب أكثر صعوبة، خصوصًا مع بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة.
لذلك فإن أي تغير في توقعات السياسة النقدية الأمريكية أو تطورات المشهد الاقتصادي والجيوسياسي يمكن أن ينعكس سريعًا على حركة الأوقية.
هل ينتظر المشتري «أقل سعر»؟
وسط هذه التقلبات، لا تبدو محاولة اقتناص القاع السعري استراتيجية مضمونة بالنسبة لمن يشتري الذهب بغرض الادخار.
فإذا كان الهدف الاحتفاظ بالمعدن على المدى المتوسط أو الطويل، فقد يكون الشراء مناسبًا، لكن الأفضل ألا يتم ضخ كامل السيولة المخصصة للذهب في عملية واحدة، خاصة في ظل احتمالات استمرار التذبذب.
وتقوم الفكرة على تقسيم المبلغ المخصص للشراء إلى دفعات، بما يسمح للمشتري بالاستفادة من أي انخفاضات محتملة لاحقًا، بدلًا من الدخول في رهان على معرفة أدنى سعر، وهو أمر يصعب التنبؤ به.
وهنا يصبح عامل الزمن أكثر أهمية من محاولة توقيت السوق بدقة؛ فالمشتري الذي يستهدف الادخار لعدة سنوات يمكنه توزيع عمليات الشراء بدلًا من انتظار نقطة مثالية قد لا تأتي.
6 آلاف دولار.. توقع أم ضمان؟
ورغم الضغوط قصيرة الأجل، فإن بعض التقديرات الاستثمارية لا تزال ترى مساحة لمزيد من الصعود على المدى الأبعد.
وتشير توقعات بحثية لـJ.P. Morgan إلى إمكانية وصول الذهب إلى 6 آلاف دولار للأوقية خلال 2026، لكن هذه الأرقام تظل توقعات وليست سعرًا مضمونًا، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مسارًا مؤكدًا للسوق.
ومن هنا، فإن وجود توقعات صعودية بعيدة المدى لا يلغي احتمالات التراجع أو التصحيح في الأجل القصير، خصوصًا مع حساسية الذهب لقرارات الفائدة الأمريكية وعوائد السندات.
الادخار يختلف عن المضاربة
وتختلف الإجابة عن سؤال «هل أشتري الذهب الآن؟» بحسب الهدف من الشراء.
فبالنسبة لمن يبحث عن وسيلة للادخار لعدة سنوات، قد يكون الشراء التدريجي أكثر ملاءمة من انتظار الوصول إلى «أقل سعر»، لأنه يقلل من مخاطر الدخول بكامل السيولة عند مستوى سعري واحد.
أما المضارب الذي يستهدف تحقيق ربح سريع، فالمعادلة أكثر حساسية؛ إذ إن التذبذب الحالي، إلى جانب تأثير قرارات الفائدة الأمريكية، قد يؤدي إلى تحركات سريعة في الاتجاهين.
