أحيانًا لا تصنع الأزمات مسافات بين الدول، بل تكشف مقدار احتياجها إلى بعضها.
وهذا تحديدًا ما يجعل زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر مختلفة عن كثير من الزيارات السابقة؛ فالمشهد الإقليمي لم يعد يسمح بأن تُقرأ العلاقات المصرية السعودية فقط من زاوية التاريخ أو حجم الاستثمارات أو التنسيق السياسي، بعدما أصبح البحر الأحمر نفسه طرفًا حاضرًا في حسابات الأمن والاقتصاد والطاقة.
فبين القاهرة والرياض بحر واحد، لكنه في الوقت نفسه أصبح واحدًا من أكثر الممرات البحرية اضطرابًا في العالم.
ومن هنا ربما تبدأ القراءة الأهم للزيارة: ليس فقط كيف تتعامل مصر والسعودية مع الأزمة الحالية، وإنما كيف يمكن تحويل ما تكشفه الأزمة من نقاط ضعف إلى بنية تعاون تجعل البلدين أقل تعرضًا للصدمات في المستقبل.
البحر الأحمر يدخل الحسابات الاقتصادية
لم تعد التوترات المحيطة بالبحر الأحمر وباب المندب قضية أمنية تخص الدول المطلة عليه فقط، فكل سفينة تتردد في عبور المنطقة، وكل شركة ترفع تكلفة التأمين، وكل ناقلة تبحث عن طريق أطول وأكثر أمانًا، تعني في النهاية فاتورة اقتصادية جديدة تمتد آثارها من أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية.
السعودية تتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة عن مصر، لكنها في النهاية تواجه الخطر نفسه: الحاجة إلى ضمان استمرار تدفقات الطاقة والتجارة بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى أدوات ضغط جيوسياسي، وهنا يصبح مضيق هرمز وباب المندب وجهين لأزمة واحدة.
السعودية كانت قد بنت منذ سنوات أحد أهم مساراتها البديلة لتجاوز هرمز، من خلال خط «شرق – غرب» الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
لكن التطورات الأخيرة أثبتت أن امتلاك طريق بديل لا يعني بالضرورة امتلاك طريق محصن بالكامل.
فالتهديدات التي طالت هذا المسار نفسه دفعت إلى إجراءات احترازية، لتظهر معادلة شديدة الدلالة: عندما تتعرض نقطة الاختناق الرئيسية للخطر، فإن البديل يحتاج بدوره إلى بديل.. وهنا تبدأ أهمية مصر.

سوميد.. ورقة مصرية لا ينبغي أن تبقى في الهامش
هناك أصل استراتيجي مصري يمكن أن يأخذ مكانًا أكبر بكثير في التفكير المشترك بين القاهرة والرياض: خط سوميد.
الخط الذي يربط العين السخنة بسيدي كرير يستطيع نقل النفط عبر الأراضي المصرية من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يوميًا.
وبعيدًا عن التفاصيل الفنية، يمكن اختصار فكرته في جملة واحدة: إذا كانت قناة السويس ممرًا بحريًا عالميًا، فإن سوميد يقدم مسارًا بريًا للطاقة بين البحرين، وهذا يخلق فرصة تستحق أن تُبحث بصورة مختلفة.
فالنفط القادم من ميناء ينبع يمكن أن يصل إلى العين السخنة، ثم يعبر الأراضي المصرية عبر سوميد، ليصل إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، ومن هناك إلى الأسواق الأوروبية.
المسألة هنا ليست أن سوميد قادر على أن يحل محل مضيق هرمز أو يستوعب صادرات الخليج بالكامل؛ فهذا تبسيط غير دقيق.
لكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه يضيف طبقة جديدة من المرونة إلى شبكة الطاقة الإقليمية، ويقلل الاعتماد على مسار واحد أو نقطة اختناق واحدة.

لماذا لا تصبح مصر جزءًا من «الخطة ج»؟
هنا تحديدًا تبدو زيارة ولي العهد السعودي فرصة لطرح سؤال مختلف، إذا كانت السعودية تمتلك «الخطة ب» عبر خط شرق–غرب وينبع لتجاوز هرمز، وإذا أثبتت الأحداث أن حتى البدائل معرضة للمخاطر، فلماذا لا تتحول البنية التحتية المصرية إلى جزء من «الخطة ج»؟
لماذا لا يجري التفكير في ينبع والسخنة وسوميد وسيدي كرير باعتبارها حلقات داخل ممر إقليمي واحد للطاقة؟
هذا النوع من التفكير يتجاوز فكرة التعاون في مشروع منفرد، نحن أمام محاولة لبناء «شبكة أمان» اقتصادية مشتركة، والشبكات بطبيعتها أكثر قدرة على الصمود من الطرق المنفردة.

مصر ليست بعيدة عن الخطر
قد يبدو للوهلة الأولى أن حماية المسارات السعودية مسألة سعودية، لكن الواقع يقول غير ذلك، مصر من أكثر الدول ارتباطًا باستقرار البحر الأحمر؛ ليس فقط لأنها دولة مطلة عليه، وإنما لأن قناة السويس تقع في نهاية أحد أهم طرق التجارة القادمة من آسيا.
السفينة التي تخشى المرور في باب المندب قد لا تضرب مصر عسكريًا، لكنها تستطيع أن تضرب الاقتصاد المصري بصورة غير مباشرة، تغيير المسار يعني وقتًا أطول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وتأمينًا أعلى، وربما قرارًا بتجنب قناة السويس بالكامل.
وبالتالي فإن استعادة أمن الملاحة ليست مصلحة سعودية فقط، ولا مصرية فقط، وإنما مصلحة مشتركة، لكن الأهم هو ألا تظل القاهرة والرياض في وضع «إطفاء الحرائق» مع كل أزمة.
من إدارة الأزمة إلى استغلالها
الأزمة الحالية يمكن أن تنتهي، وتعود السفن إلى المرور، وتستعيد قناة السويس حركة الملاحة المعتادة، لكن العودة إلى نقطة الصفر ستكون إهدارًا لدرس استراتيجي مهم.
المطلوب هو استغلال الأزمة لإعادة تصميم العلاقة الاقتصادية بين البلدين على أساس أن الأزمات الإقليمية لن تختفي، وأن ما حدث في البحر الأحمر يمكن أن يتكرر في مكان آخر أو بصورة مختلفة.
وهنا تظهر فكرة أكبر من مجرد حماية الملاحة: بناء «اقتصاد البحر الأحمر»، اقتصاد لا يقوم على التجارة وحدها، وإنما يجمع الطاقة والكهرباء والموانئ والخدمات اللوجستية والاستثمار والسياحة.
ما الذي يمكن أن يجمع الضفتين؟
في الطاقة، هناك سوميد وخط شرق–غرب وميناء ينبع والعين السخنة وسيدي كرير.
وفي الكهرباء، هناك مشروع الربط المصري السعودي بقدرة 3000 ميجاوات، وهو ما يمكن البناء عليه مستقبلًا لتطوير سوق إقليمية أوسع للطاقة الكهربائية.
وفي النقل، تمتلك مصر شبكة موانئ وممرات لوجستية تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، بينما تمتلك السعودية موانئ ومشروعات ضخمة على ساحل البحر الأحمر.
لماذا لا ننظر إلى هذه الأصول باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة؟
يمكن مثلًا تطوير نموذج تتكامل فيه الموانئ المصرية والسعودية بحيث يصبح لكل جانب دور في سلسلة الإمداد، مع ربط الإجراءات الجمركية والرقمية وتسريع انتقال البضائع.
الفكرة ليست أن يصبح ميناء مصري وميناء سعودي ميناءً واحدًا حرفيًا، وإنما أن يتصرفا اقتصاديًا كأنهما بوابتان لشبكة واحدة.
«وصلة الملك سلمان».. الفكرة أهم من شكلها
حتى مشروع جسر الملك سلمان يمكن إعادة طرحه بعقلية مختلفة، فبعد سنوات من تغير احتياجات المنطقة، ربما لا يكون السؤال: هل نبني جسرًا؟، والسؤال الأصح: ما أفضل وسيلة لخلق اتصال مباشر بين البلدين؟
إذا كان الجسر هو الحل الأفضل فليكن جسرًا، وإذا أثبتت الدراسات أن النفق أكثر جدوى فليكن نفقًا، وإذا ظهر حل ثالث أكثر كفاءة فلا يجب أن تقيدنا التسمية القديمة، المهم أن توجد «وصلة» حقيقية تختصر المسافة الاقتصادية بين البلدين.
الاستثمارات.. لا نحتاج إلى أرقام كبيرة فقط
الأمر نفسه ينطبق على الأفكار الاستثمارية التي طُرحت قبل سنوات، كانت هناك تصورات لإنشاء منطقة اقتصادية في سيناء، ومشروعات لتنميتها، وتعاون في قطاعات النقل والطاقة والاستثمار، إلى جانب الإعلان عن صندوق استثماري مصري سعودي برأسمال 60 مليار ريال.
التعاون بين البلدين لم يتوقف، لكن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعادة تقييم هذه الأفكار وفق احتياجات 2026، لا وفق ظروف 2016.
فربما لا تكون القيمة في إعادة إحياء مشروع قديم كما هو، وإنما في استخراج الفكرة الموجودة داخله وإعادة تصميمها بما يناسب الاقتصاد الحالي، والقاعدة الأفضل هنا: نحدد المشروع أولًا، ثم نحدد التمويل الذي يحتاجه، وليس العكس.
لماذا ننافس على السائح؟
السياحة يمكن أن تكون واحدة من أكثر المجالات وضوحًا في فكرة «اقتصاد البحر الأحمر»، مصر تمتلك شرم الشيخ والغردقة ومجموعة من أشهر المقاصد السياحية على البحر الأحمر، والسعودية تطور بدورها مشروعات سياحية ضخمة على الساحل نفسه.
بدلًا من النظر إلى الأمر باعتباره منافسة على السائح، يمكن التفكير في المنتج السياحي المصري والسعودي باعتباره رحلة واحدة متعددة الوجهات، سائح يصل إلى المنطقة يمكن أن يحصل على برنامج يجمع بين شرم الشيخ أو الغردقة، ثم جدة ومشروعات البحر الأحمر والعلا وغيرها من الوجهات السعودية.
هنا لا يسرق طرف سائح الطرف الآخر؛ بل يصبح كل طرف سببًا في زيادة جاذبية الآخر، لكن.. لا نريد أن يتحول التكامل إلى تورط
كل هذه الأفكار لا تعني أن تتحول الشراكة المصرية السعودية إلى انخراط عسكري مصري في المواجهة مع الحوثيين، أو إلى طرف في صراع أوسع مع إيران.
هناك فرق جوهري بين حماية المصالح الوطنية وحرية الملاحة، وبين الدخول في حرب ليست حربك، بل إن أفضل شراكة هي التي تمنح أطرافها قدرة أكبر على حماية مصالحها من دون أن تزيد احتمالات تعرضها للخطر.
مصر تستطيع أن تدعم أمن الملاحة، وتحمي مصالحها في البحر الأحمر، وتطور شراكاتها الاقتصادية مع السعودية، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراع.
بعبارة مختصرة:«نتكامل ولا نتورط، نساند ولا ننزلق، ونشد العضد من دون أن نفتح جبهة جديدة»
ماذا نريد من زيارة ولي العهد؟
ربما لا يكون المطلوب من زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة مجرد إعلان اتفاقيات جديدة أو توقيع مذكرات تفاهم إضافية.
الأهم أن تخرج الزيارة بفكرة استراتيجية أكبر، فبدل من أن يكون السؤال: كيف نمنع البحر الأحمر من إيذائنا؟، يمكن أن يصبح السؤال: كيف نجعل البحر الأحمر نفسه مصدرًا لقوتنا؟
كيف يصبح مسارًا أكثر مرونة للطاقة؟، وكيف يتحول الربط الكهربائي إلى نواة لسوق إقليمية؟، وكيف تتكامل الموانئ المصرية والسعودية؟، وكيف نربط البحر الأحمر بالمتوسط والخليج في شبكة لوجستية واحدة؟، وكيف نصنع منتجًا سياحيًا يتجاوز حدود كل دولة؟
وكيف نعيد تقييم المشروعات القديمة لا باعتبارها وعودًا مؤجلة، وإنما باعتبارها أفكارًا يمكن أن تولد من جديد بصورة أكثر واقعية؟
في النهاية، ربما تكون المفارقة أن ما يفصل مصر والسعودية جغرافيًا يمكن أن يصبح ما يجمعهما استراتيجيًا.
البحر الأحمر لم يعد مجرد «البحر الذي بيننا»، إن أحسنّا قراءة اللحظة، يمكن أن يصبح البحر الذي يجمعنا.
فإذا كان خصوم المنطقة قد اكتشفوا كيف يمكن استخدام البحر للضغط على اقتصادياتنا، فالأجدر بالقاهرة والرياض أن تكتشفا كيف يمكن استخدامه لبناء اقتصاد أكثر قدرة على تحمل الأزمات.
“تحويل نقطة الضعف المشتركة إلى نقطة قوة مشتركة”، قد يكون هذا هو المعنى الحقيقي لزيارة ولي العهد السعودي إلى مصر.




