بقلم: سعيد الأطروش
لم تعد أزمة الديون الاستهلاكية مجرد أرقام صادمة في تقارير رسمية، بل تحوّلت إلى فخ كبير يُطبق على ملايين الأسر المصرية التي أصبحت أسيرة لشركات التمويل الاستهلاكي. هذه الشركات التي جاءت – نظريًا – لدعم القدرة الشرائية وتنشيط السوق، باتت اليوم أحد أخطر مصادر النزيف المالي للمجتمع.
طبقًا لأحدث البيانات، تجاوز حجم التمويل الاستهلاكي 61 مليار جنيه يستفيد منها 7 ملايين أسرة… رقم ضخم يعكس حجم التغلغل المخيف لهذه الشركات في حياة المصريين. لكن الأخطر ليس الرقم، بل طبيعة هذه القروض التي تُمنح بلا ضوابط حقيقية ولا دراسة قدرة سداد، وكأن الهدف الأوحد هو «تسليم القرض بأي شكل»… أما كيف يسدد المواطن؟ فهذه ليست مشكلتهم.
جريمة مكتملة الأركان
الجريمة ليست في القرض نفسه، بل في النموذج الاقتصادي المشوّه الذي أصبح يفرض على المواطن ديونًا متلاحقة لتسديد ديون سابقة. مواطن يقترض من شركة لشراء جهاز منزلي، ثم يكتشف أنه عاجز عن السداد، فيلجأ إلى شركة أخرى لإعادة تمويل الأولى… وهكذا يدخل دوامة لا تنتهي.
شركات التمويل الاستهلاكي تعلم ذلك جيدًا، بل تبني أرباحها على هذا الواقع. الأرباح تتضخم عامًا بعد عام، ليس لأنها تضيف قيمة للاقتصاد، ولكن لأنها تعرف كيف تُحاصر المواطن وتدفعه دفعًا إلى الاقتراض مرة بعد أخرى.
إلى أين يقودنا ذلك؟
حين يصبح المجتمع مديونًا بهذا الشكل، فنحن أمام قنبلة اقتصادية واجتماعية. هذه الشركات – التي كان من المفترض أن تموّل الإنتاج أو الأنشطة الاقتصادية – تحولت إلى مؤسسات لإقراض الأفراد دون رؤية، ودون دور حقيقي في دعم الصناعة أو الاستثمار أو الإنتاج.
بل تحولت إلى آلية تُضعف الطبقة المتوسطة وتستنزف البسطاء.
الحل؟ ليس مستحيلاً… لكنه يحتاج إلى قرار
من حق الدولة – بل من واجبها – إعادة تقييم تراخيص هذه الشركات التي تتعامل مع المواطن كسلعة، وتحقق الأرباح من معاناته.
وأقل ما يمكن هو وضع ضوابط صارمة تمنع هذه الفوضى التمويلية، ووقف الإقراض غير المسؤول، وإعادة توجيه التمويل نحو ما يفيد الاقتصاد: إنتاج، تصنيع، مشروعات صغيرة ومتوسطة… وليس شراء أجهزة كهربائية وأثاث بالتقسيط على حساب مستقبل الأسر.
في النهاية…
لسنا ضد التمويل، لكننا ضد تحويل المواطن إلى مشروع استثماري مربح لشركات لا ترى فيه سوى رقم في جدول الأرباح.
أزمة الديون الاستهلاكية اليوم ليست أزمة أفراد… إنها أزمة مجتمع كامل تُدفع طبقاته لمنحدر خطير

