بقلم سعيد الاطروش
رئيس تحرير جريدة القرار المصري الاقتصادية
الاقتصاد المصري يواجه اليوم فجوة واضحة بين الأرقام المعلنة والواقع الذي يعيشه المواطن. قد تتحسن المؤشرات الكلية، وقد تنخفض بعض النسب على الورق، لكن تأثير ذلك يظل محدوداً ما دام دخل الأسرة لا يكفي، والأسعار مرتفعة، والخدمات لا تتحسن بالقدر الكافي.
الحديث عن تراجع التضخم أو تحسن نسب الدين يظل حديثاً فنياً لا يعني الكثير للمواطن، لأن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني فقط تباطؤ ارتفاعها.
هذا الفارق مهم اقتصادياً، لكنه غير ملموس اجتماعياً، وهو ما يفسر حالة عدم الرضا رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات.
جوهر الأزمة لا يرتبط بغياب السياسات، بل بضعف التنفيذ فالقرارات الاقتصادية تحتاج إلى جداول زمنية واضحة، ومسؤوليات محددة، ومتابعة حقيقية لنتائجها. من دون ذلك، تتحول السياسات إلى وعود مؤجلة، ويتسع الفاصل بين الحكومة والسوق، وبين ما يُعلن وما يُطبق.
ولا يمكن تجاوز هذه الفجوة دون تمكين حقيقي للقطاع الخاص. الدولة وحدها لا تستطيع تحريك الاقتصاد أو توفير فرص العمل المطلوبة.
القطاع الخاص هو القادر على الاستثمار والإنتاج والتشغيل، لكن دوره يظل محدوداً في ظل بيئة غير مستقرة، أو قواعد متغيرة، أو منافسة غير متكافئة. المطلوب ليس منح امتيازات، بل توفير وضوح واستقرار وعدالة في الفرص.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب إدارة اقتصادية بعقلية تنفيذية، تركز على النتائج لا على التبرير، وتقيس النجاح بما يتحقق في السوق لا بما يُقال في التصريحات.
ضعف المساءلة وتراجع الدور الرقابي في الملفات الاقتصادية يضيفان عبئاً إضافياً، لأن القرارات تُتخذ أحياناً دون نقاش كافٍ حول أثرها على المواطن.
الاقتصاد الحقيقي لا يقوم على الاقتراض، ولا يستمر بالحلول المؤقتة. الأساس هو الإنتاج، والاستثمار، والتصدير، وخلق فرص عمل مستقرة.
كل تأخير في تمكين هذه العناصر يضاعف التكلفة، ويجعل أي تحسن رقمي بلا معنى فعلي.
الخروج من الأزمة لا يحتاج إلى مزيد من الخطاب، بل إلى قرارات واضحة قابلة للتنفيذ، وشراكة جادة مع القطاع الخاص، وإدارة اقتصادية تتحمل مسؤولية النتائج. فالاقتصاد لا ينتظر، واستمرار الفجوة بين الأرقام والواقع لم يعد خياراً.

