لا لاستغلال الفنان باسم الثقافة.. فقد حان وقت الاقتصاد البرتقالي

بقلم هبة عريبة

أنا عارفة أن الكلام الذي سأقوله قد يزعج البعض، لكن معلش، خلونا نضع الأمور على بينة، وبدلًا من أن نكتفي بالشكوى، نحاول أن نبحث عن حلول.

أولًا، أنا متفهمة جدًا قرار الدكتور رضا الوكيل بالاعتذار عن الاستمرار في منصبه كرئيس لدار الأوبرا المصرية. فالاستقالة، في رأيي، تصبح موقفًا مفهومًا عندما يجد المسؤول نفسه أمام إمكانات مالية لا تسمح له بتنفيذ ما يراه مناسبًا، خصوصًا إذا كان سيُحاسب في النهاية على نتائج لا يملك أدوات تحقيقها.

والأزمة ظهرت بوضوح مع الدورة الجديدة من مهرجان الموسيقى العربية. فقد اعتذر الفنان علي الحجار عن المشاركة، موضحًا أن الميزانية المخصصة لأعضاء فرقته الموسيقية كانت ضعيفة إلى درجة لم يقبلها، وهو موقف يمكن فهمه في إطار مسؤوليته عن فرقته وحقوق أفرادها.

كما أعلن الفنان محمد ثروت اعتذاره عن المشاركة، وقال إنه لن يقبل ما اعتبره إهانة للفن المصري والفنانين، وإن كان بيانه لم يحدد تفاصيل مالية بعينها.

ما حدث في الأوبرا وأزمة مهرجان الموسيقى العربية

لكن ما حدث في الأوبرا فتح عندي سؤالًا أوسع بكثير من مهرجان الموسيقى العربية:

إلى متى ستظل عبارة «أصل الميزانية ضعيفة» هي الإجابة الجاهزة عن كل أزمة في الثقافة؟

لسنوات، ونحن نسمع من مسؤولين في وزارة الثقافة وجهاتها المختلفة أن الميزانية محدودة. وهذا أمر قد يكون حقيقيًا، ولا أحد يطلب إنفاقًا بلا حساب. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول محدودية الميزانية إلى مبرر دائم لأن يحصل الفنان، أو الكاتب، أو المحاضر، أو المدرب، أو أي شخص يقدم عملًا حقيقيًا للوزارة، على مقابل لا يتناسب مع خبرته ومجهوده.

في الورش: خامات قليلة ومقابل محدود.

في الكتابة: أحيانًا يكتب المثقف لمجلة أو مطبوعة تابعة لجهة ثقافية ولا يحصل على مقابل، أو يحصل على مبلغ رمزي جدًا.

وفي الأنشطة المختلفة، يتكرر الكلام نفسه: «شارك معنا لدعم الثقافة»، «نحن جهة حكومية»، «الميزانية لا تسمح».

وبالفعل، ظل كثير من المثقفين والفنانين يقبلون بهذا المنطق لسنوات، بدافع الحفاظ على النشاط الثقافي، أو لأنهم لا يريدون أن يتوقف العمل.

لكن هل يمكن أن يستمر هذا إلى ما لا نهاية؟

ما بين دعم الثقافة واستغلال العاملين بها

أنا أرى أن علينا أن نفرق بين دعم الثقافة واستغلال العاملين في الثقافة باسم دعم الثقافة.

ليس مطلوبًا أن ندفع للمشارك في نشاط ثقافي أرقامًا خيالية، وليس المطلوب أن تتحول وزارة الثقافة إلى جهة تجارية تبحث عن الربح بأي شكل.

لكن في المقابل، «ثقافي» لا تعني «مجاني».

والفنان الذي يقدم خبرته، والكاتب الذي يكتب، والمدرب الذي يقدم ورشة، والموسيقي الذي يصعد إلى المسرح، والفني الذي يعمل خلف الكواليس، كل هؤلاء يقدمون وقتًا وخبرة ومجهودًا، ومن حقهم الحصول على مقابل يحترم ذلك.

وهنا أصل إلى الجزء الأهم: الحل.

الحل في رأيي ليس فقط أن نطالب بزيادة ميزانية وزارة الثقافة، لأن هذا أمر مرتبط بموازنة الدولة وأولوياتها، وقد يستغرق وقتًا.

 

لكن يمكن أن نبدأ في الوقت نفسه من داخل المؤسسات الثقافية نفسها، من خلال ما يمكن أن نسميه ببساطة الاقتصاد الثقافي.

 

وليس في ذلك أي عيب أو حرام.

 

لماذا لا يكون لكل مؤسسة ثقافية تصور واضح لكيفية زيادة مواردها، دون تحميل المواطن أعباء جديدة؟

من المسؤول عن غياب الرعاية الثقافية 

لماذا لا نستفيد بصورة أفضل من الحفلات والعروض والمعارض والورش والدورات التدريبية والمنتجات الثقافية وحقوق استخدام المساحات والمحتوى والرعاية والإعلانات الثقافية؟

 

ولماذا لا يكون هناك نظام واضح للرعاية الثقافية، بحيث تستطيع الشركات والمؤسسات الخاصة أن تمول نشاطًا ثقافيًا محددًا، في مقابل ظهور اسمها باعتبارها راعيًا للنشاط، وفق ضوابط تحافظ على استقلال المؤسسة الثقافية؟

 

ولماذا لا يتم التعامل مع بعض الفعاليات باعتبارها مشروعات ثقافية يمكن أن تحقق دخلًا يعاد توجيه جزء منه إلى أجور الفنانين والعاملين وتمويل أنشطة أخرى؟

 

وهذا ليس كلامًا نظريًا بالكامل؛ فحتى في أزمة مهرجان الموسيقى العربية نفسها، أُعلن أن بعض الفنانين دعموا المهرجان بتخفيض أجورهم أو التنازل عنها، كما أشار رئيس الأوبرا إلى أن الحفلات تحقق إيرادات تدخل في تمويل النشاط.

 

لكنني لا أريد أن يصبح الحل دائمًا هو أن «الفنان يتنازل» و«المثقف يصبر» و«الكاتب يعمل بلا مقابل».

 

التنازل يجب أن يكون اختيارًا من صاحبه، وليس نظامًا ثابتًا لإدارة الثقافة.

 

خطوات بسيطة يمكن البدء بها:

 

أولًا: وضع حد أدنى واضح للأجور والمكافآت لكل نوع من أنواع العمل الثقافي، مع مراعاة الخبرة وحجم العمل.

 

ثانيًا: عمل ميزانية حقيقية لكل نشاط قبل الإعلان عنه، بحيث نعرف منذ البداية: كم لدينا؟ وكم سننفق؟ وكم سيحصل كل مشارك؟

ثالثًا: إنشاء وحدة أو فريق صغير للاقتصاد الثقافي داخل كل جهة كبرى، مهمته البحث عن موارد إضافية، وليس فقط انتظار الاعتماد المالي الحكومي.

رابعًا: فتح باب الرعاية الثقافية بشكل منظم وشفاف، بدل ترك المؤسسات الثقافية تعتمد بالكامل على الميزانية الحكومية.

خامسًا: استثمار الأصول الثقافية الموجودة بالفعل. لدينا مسارح وقاعات ومتاحف ومراكز ثقافية وأسماء فنية كبيرة وجمهور، وهذه كلها موارد يمكن إدارتها اقتصاديًا دون تحويل الثقافة إلى سلعة مبتذلة.

سادسًا: وقف ثقافة «أبو بلاش».

وهذه النقطة تحديدًا أراها مهمة جدًا.

لأن العمل المجاني لا يضر فقط بصاحبه، وإنما يضر بالسوق الثقافي كله. عندما يقبل شخص محترف أن يعمل بلا مقابل باستمرار، يصبح من الصعب بعد ذلك أن يطالب زميله بأجر عادل.

وفي النهاية نجد أن الشخص الذي لا يملك خبرة كافية قد يدخل المجال لأنه يقبل بأي شيء، بينما الشخص المحترف ينسحب لأنه لا يستطيع الاستمرار.

 

وهنا لا نكون قد وفرنا أموالًا للثقافة، وإنما نكون قد خسرنا جزءًا من أهل الخبرة فيها.

وأخيرًا: لا بد أن يتغير مفهوم «دعم الثقافة».

دعم الثقافة لا يعني أن يعمل المثقف مجانًا.

ودعم الفنان لا يعني أن يطلب منه دائمًا أن يتنازل.

ودعم المؤسسة لا يعني أن يتحمل العاملون فيها تكلفة ضعف الميزانية من أجورهم ووقتهم.

 

العمل الثقافي بين الحب والاحترافية

نحن في وقت ارتفعت فيه تكاليف الحياة، ولم يعد من المنطقي أن نتعامل مع العمل الثقافي وكأنه نشاط يمكن أن يقوم به الناس «بحبهم للثقافة» فقط.

الحب مهم، والانتماء مهم، والتطوع له مكانه.

لكن العمل الاحترافي له قيمة اقتصادية أيضًا.

لذلك، ربما نحتاج اليوم إلى إعادة التفكير في طريقة إدارة الثقافة نفسها: ليس فقط كمؤسسات تنفق من ميزانية الدولة، وإنما كمؤسسات تستطيع أن تنتج وتستثمر وتعيد تدوير جزء من دخلها لخدمة الفن والفنانين.

نحن لا نريد ثقافة يدفع ثمنها المواطن.

ولا نريد ثقافة يظل الفنان هو من يدفع ثمنها.

نريد ثقافة تُدار بكفاءة، وتنتج قيمة، وتحترم من يعملون فيها.

لأن «أبو بلاش» قد يبدو توفيرًا في البداية، لكنه في النهاية قد يكون أغلى شيء تدفعه الثقافة.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار