اقتصاد الأرقام الوهمية… حين يعلو الربح من الهواء على عرق الإنتاج

في زمنٍ اختلطت فيه الأرقام بالحقيقة، وأصبح الربح السريع معيار العبقرية الاقتصادية، صار من الضروري أن نسأل: هل ما نراه اليوم اقتصاد حقيقي أم مجرد لعبة أرقام؟

أسواق الأسهم التي تتحول أحيانًا إلى مضاربات محمومة، والسندات التي تتكاثر كالأوراق، والمشتقات المالية التي لا ترتبط بسلعة ولا إنتاج، والربح من الأزمات ومن الفوائد المركبة… كل ذلك يقدَّم لنا على أنه “اقتصاد حديث”.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى على الشاشات، بل في المصانع، ولا ينمو بالمضاربة، بل بالإنتاج، ولا ينهض بالأرقام، بل بالعمل.

إن الاقتصاد الذي يربح من الهواء ليس اقتصادًا… بل فقاعة، ولهذا كان المفكرون الكبار أكثر وضوحًا من كثير من خبراء اليوم.

يقول المؤرخ العظيم ابن خلدون في مقدمته إن “كثرة الجباية وفساد المعاش يؤديان إلى خراب العمران”.
وكان يقصد بذلك أن الاقتصاد حين ينفصل عن العمل والإنتاج، ويصبح مجرد تحصيل أو مضاربة أو استغلال، يبدأ المجتمع في التآكل من الداخل.

ابن خلدون فهم منذ ستة قرون ما نكاد ننساه اليوم: “أن الثروة الحقيقية تُخلق بالعمل، لا بالمضاربة”،

ولهذا حين سادت فلسفة المال السريع في بعض الدول، كانت النتيجة كارثية.

خذ مثال ما حدث في الأرجنتين خلال أزماتها الاقتصادية المتكررة؛ حيث تضخم القطاع المالي والمضاربات،

بينما تراجع الإنتاج الحقيقي والصناعة، فانفجرت الأزمات المالية أكثر من مرة، وانهارت العملة وارتفعت معدلات الفقر.

وعلى الجانب الآخر، انظر إلى تجربة كوريا الجنوبية بعد ستينيات القرن الماضي، الدولة هناك لم تبنِ اقتصادها على الفوائد والمضاربات، بل على التصنيع والتصدير وبناء الشركات الإنتاجية العملاقة.

فكانت النتيجة أن تحولت من دولة فقيرة مدمرة بالحرب إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.

الفرق ببساطة:
هناك من يبني اقتصادًا من المصانع وهناك من يبنيه من الشاشات.

ولهذا كان المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي يقول إن المشكلة في العالم الإسلامي ليست نقص الموارد،

بل “قابلية التخلف” عندما تتحول المجتمعات إلى مستهلكة للأفكار والسلع بدل أن تكون منتجة لها.

كلمات بن نبي تصلح لوصف حال كثير من اقتصاداتنا اليوم؛ حيث أصبح البعض يربح من الأزمات أكثر مما يربح من الإنتاج.

ترى من يكدح في مصنع أو مزرعة أو ورشة، بالكاد يحافظ على عمله.
بينما يظهر على الشاشات من يربح ملايين من المضاربة أو من تجارة الديون.

أي منطق هذا؟

إن الدولة لا يُطلب منها أن تدير كل شيء، لكن يُطلب منها أن تضع القواعد العادلة:
إتاحة الفرص للجميع، مراقبة المنافسة، تشريعات صارمة تمنع الاحتكار والتلاعب، وضريبة عادلة تعيد توزيع ثمار النمو.

حينها فقط ينهض الاقتصاد الحقيقي، اقتصاد الإنتاج والعمل والبناء، اقتصاد رجل المصنع، ورجل الزراعة، ورجل التعمير.

أما اقتصاد الأرقام الخادعة، الذي يصنع ثروات من الهواء، فغالبًا ما تكون نهايته معروفة في كتب التاريخ الاقتصادي:
“فقاعة… ثم سقوط”.

ولهذا نقول ببساطة:

غيروا العتبة، كفاية أرقام لا تشبه الواقع، وكفاية تقديس لمن صنعوا ثرواتهم من الأزمات، كل التحية لكل رجل إنتاج، ولكل من يبني حجرًا في اقتصاد هذا الوطن.

أما الذين لعبوا بالاقتصاد طويلًا، ثم صاروا قدوة وينظّرون في الحلال والحرام، فالتاريخ – قبل أي شيء – لا يرحم.

والاقتصاد الحقيقي… لايكذب ولا يتجمل

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار