تحتفل محافظة المنيا اليوم الموافق 18 ماس بذكرى غير عادية، حيث امتزجت الدماء بالعسل فوق قضبان السكك الحديدية فى مثل هذا اليوم عام 1919 فى مشهد مكتمل الأركان من الشجاعة والتضحية لتولد واحدة من أشهر حكايات المقاومة الشعبية فى تاريخ مصر
إنها ملحمة “الدم والعسل”، التي لا تزال تُروى جيلاً بعد جيل، شاهدة على بسالة أبناء الصعيد في مواجهة الاحتلال خلال ثورة 1919، وبالتحديد في يوم 18 مارس.
فمنذ اندلاع ثورة 1919 بمختلف أنحاء البلاد، تحولت مشاعر الغضب إلى فعل، خاصة فى مركز ديراموس بمحافظة المنيا حيث بدأ الأهالى فى تنظيم صفوفهم استعداداً لمواجهة الإحتلال الإنجليزى، تدفعهم روح الوطنيه المتأججة والراغبة فى الحرية
وهنا يبرز اسم الدكتور خليل أبو زيد ابن ديراموس الذى عاد من انجلترا بعد سنوات من الدراسة فى جامعة أكسفورد، حاملاً وعياً سياسياً ورؤية واضحة متأثراً بأفكار الزعيم سعد زغلول ، ليقرر العودة إلى بلاده ليشارك فى مواجهة الإحتلال مباشرة
خطة إيقاف قطار الإنجليز
في 18 مارس 1919، تحرك أبو زيد ومعه نحو 4 آلاف من الأهالي، في خطوة جريئة لقطع خط السكة الحديد عند محطة ديرمواس، من خلال إزالة الأسطوانة التي بدونها لا يمر القطار، فكانت الخطة واضحة: إيقاف قطار إنجليزي قادم من الأقصر وعلى متنه ضباط وجنود، وإجبارهم على الاستماع لمطالب الشعب المصري، وبالفعل، نجح الثوار في السيطرة على آلية إيقاف القطارات، ليتوقف القطار وسط حالة من الترقب والتوتر.
لحظة الإنفجار
لم يبدأ المشهد بالعنف، بل حاول خليل أبو زيد، الذي كان يجيد الإنجليزية، التفاوض مع الضباط الإنجليز وطرح مطالب الثوار، لكن التوتر تصاعد سريعًا، ومع إطلاق أحد الجنود رصاصة في الهواء، تحولت اللحظة إلى مواجهة مفتوحة.
اندفع الأهالي نحو القطار، واندلعت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل مفتش السجون الإنجليزي “بوب” و7 جنود، فيما سقط عدد من الشهداء من أبناء المنيا، وفي مشهد أصبح رمزًا خالدًا، اختلطت دماء الشهداء بشحنات العسل الأسود التي كان يضعها تجار العسل على جانبي القضبان قبيل سفرهم، ليولد اسم “ملحمة الدم والعسل”.
تضحية بالنفس من أجل سلامة الوطن
لم تمر الواقعة مرور الكرام. بعد عشرة أيام، وصلت قوات إنجليزية كبيرة إلى ديرمواس، عازمة على الانتقام، فحاول خليل أبو زيد المراوغة وخداع القوات، لكنه لم يتمكن من إخفاء الحقيقة طويلًا.
ومع تصاعد أعمال العنف ضد الأهالي، اتخذ قرارًا صعبًا، حيث سلّم نفسه مع 91 من الثوار، حفاظًا على أرواح أبناء بلدته.
حكم بالإعدام
خضع المتهمون لمحاكمة عسكرية في أسيوط، انتهت بإصدار أحكام قاسية، كان أبرزها الحكم بالإعدام شنقًا على خليل أبو زيد و35 من رفاقه، بينما حُكم على الباقين بالسجن،
ورغم مرور أكثر من قرن، لا تزال أسر الشهداء تجهل أماكن دفن ذويهم، في واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تلك القصة، لتظل ملحمة “الدم والعسل” أكثر من مجرد واقعة تاريخية،
وفي كل عام، تعود هذه الذكرى لتؤكد أن المنيا لم تكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كانت أحد صُناعه.

