لسنا ببعيد عما تشهده المنطقة من أحداث باتت تأثيراتها تخيم على دول العالم أجمع، وظهر تأثيرها أكثر قوة على دول الجنوب. القيادة المصرية كانت رؤيتها ثاقبة وذات بُعد استشرافى للمستقبل؛ رصدت وحللت وتنبأت بما ستؤول إليه هذه الأحداث على المنطقة، ونحن لم نكن ببعيد عما يحدث؛ فمصر تؤكد مراراً وتكراراً على أهمية المسار السياسي والدبلوماسى لوقف هذه الحرب التى لن تأتى إلا بالخراب والدمار خاصة مع فشل إيقافها، رغم مساعى دول المحور الإسلامى (مصر والسعودية وتركيا وباكستان) ورغم إعلان الرئيس الأمريكى عن تحقيق أهدافه العسكرية، إلاّ أن إسرائيل لم تقتنع بهذه النتائج بعد، خاصة عدم تأكدها من تعطيل البرنامج النووى الإيرانى وإلحاق الضرر به.
وبالتزامن مع تبعات هذه الحرب تفرض إيران قبضتها على مضيق هرمز شريان الحياة الوحيد من الخليج العربى إلى المحيط، والذى يمر من خلاله خُمس نفط العالم، مما تسبب فى شُح مواد الطاقة فى معظم بلدان العالم.
لاشك أن الولايات المتحدة أخطأت فى حساباتها، وتشعر بخيبة أمل فى عدم تحقق أهدافها وفق الخطة الزمنية التى وضعتها قبل الحرب، واستهانت بالخصم الإيرانى وانساقت وراء إسرائيل دون دراسة متأنية للموقف، وهو ما قد يضطرها فى أى لحظة الإعلان فجأة عن تحقيق أهدافها العسكرية تمهيداً للانسحاب من الحرب، وهو السيناريو الذى ترفضه إسرائيل، التى لن ترضى إلاّ بالقضاء على البرنامج النووى الإيرانى والتخلص من تهديدات إيران وأذرعها فى المنطقة إلى الأبد.
على الجانب الآخر يقف الأوروبيون مكتوفى الأيدى إلاّ تصريحات دبلوماسية لا تتناسب وخطورة الموقف رغم قناعتهم بأنها حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، فأمريكا تريد وقف نمو الصين من خلال منع إمدادات الطاقة عن مصانعها العملاقة التى باتت تهدد الاقتصاد الأمريكى، ونجحت أمريكا فى ذلك عندما انتهكت سيادة فنزويلا واستولت على مصادر الطاقة بها بعد خطف رئيس دولتها، بالإضافة إلى تعطيل خطوط إمداد الطاقة الإيرانية إلى الصين إن لم يكن إلحاق الضرر البالغ بها أو تدميرها. كذلك رغبة إسرائيل فى بسط نفوذها وإعادة تشكيل الإقليم دون وجود أى قوة تهدد وجودها مثل إيران وتركيا ومن بعدهما محاولة إغراق مصر فى العديد من المشكلات لتُوقف نموها العسكرى.
فالموقف المصرى رغم تبعات الحرب على الاقتصاد المصرى لم تتوانى فى التأكيد مراراً على أمن دول الخليج العربى والأردن والعراق، وأن الأمن العربى امتداد لأمن مصر القومى، ورغم بعض الأصوات الناشزة التى تعكر صفو علاقة الأخوة العربية، إلاّ أن القيادات والشعوب العربية على قلب رجل واحد تعى هذه المؤامرات الدنيئة، فبيننا إرث تاريخى وحضارى يمتد عبر التاريخ، ومواقف تتجدد لتؤكد هذه الروابط الإنسانية الوثيقة.
ومع انقطاع موارد الطاقة عن مصر مثل كثير من دول العالم، لم تتوانى ليبيا الشقيقة عن الموافقة على طلب مصر بإمدادها بمليون برميل نفط شهرياً لسد العجز فى الطاقة الناتج عن توقف إمدادات النفط القادمة من دول الخليج العربى، وسد احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية الناتجة عن تعطل حركة الملاحة فى مضيق هرمز بسبب الحرب الإيرانية، وهو ما يعبر عن قوة العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين. وهو رد متوقع من الشقيقة ليبيا ليس لمواقف مصر نحو ليبيا والوقوف بجانبها فى التصدى للإرهاب والحفاظ على سيادة ووحدة أراضيها، لكنه تاريخ طويل من الأخوة والعلاقات الإنسانية المشتركة.
وفى خضم هذه الأحداث تسعى القيادة المصرية إلى البحث عن حلول وبدائل مختلفة لتقليل تبعات هذه الحرب على الاقتصاد المصرى ومن ثم الحفاظ على مستوى معيشة المواطنين من التدهور، الذين أصبحوا يعانون جرَّاء هذه الحروب والصراعات. وهو ما أكدته المباحثات الموسعة التى أجراها د. بدر عبدالعاطى وزير الخارجية والتعاون الدولى المصرى مع نظيره الروسى سيرجى لافروف للتأكيد على الشراكة الاستراتيجية التى تجمع البلدين وتعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى والاستثمارى، والمشروعات المشتركة بين البلدين وفى مقدمتها المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتفعيل المنطقة الصناعية خاصة فى قطاعات الصناعات الدوائية والكيميائية والسيارات والبتروكيماويات ومشروع محطة الضبعة للطاقة النووية.
الشاهد فى الموضوع أن جهود مصر واضحة فى احتواء التصعيد فى المنطقة والتأكيد على موقفها الدائم أن الحلول الدبلوماسية تمثل المسار الأمثل لتجنب اتساع الصراع فى المنطقة، والرفض التام للعدوان الإيرانى على الدول العربية الشقيقة فى الخليج العربى، وأن أمن الخليج امتداد لأمن مصر القومى وهو بمثابة خط أحمر لا يمكن تجاوزه حسب ما أكدته القيادة السياسية المصرية مراراً وتكراراً، وتمت ترجمته بزيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دول الخليج العربى فى توقيت دقيق للغاية تزامن مع اشتعال الحرب الدائرة لتكون ترجمة حقيقية لمبادئ مصر ودعمها لأمن الأشقاء فى الخليج العربى.
تتوالى المواقف لتؤكد عمق الفكر المصرى ورؤيته الثاقبة للأحداث وتقديره الدقيق للأمور والحكمة فى اتخاذ القرار للحفاظ على أمن واستقرار الوطن وتوفير حياة كريمة للمواطنين.

