لم تكن تصريحات هشام عز العرب الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي CIB بشأن خطورة التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي مجرد ملاحظات مصرفية عابرة، بل جرس إنذار حقيقي يستحق التوقف أمامه طويلًا، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع المصري اليوم.
لقد أصبح المواطن في كثير من الأحيان “أسير الأقساط”، يركض من قسط إلى آخر، ومن تطبيق تمويل إلى بطاقة ائتمان، ومن عرض استهلاكي إلى إعلان أكثر إغراءً، حتى تحولت الحياة لدى البعض إلى دوامة لا تنتهي من الالتزامات الشهرية والديون المؤجلة.
المشكلة لم تعد في فكرة التمويل نفسها، فالتمويل أداة اقتصادية طبيعية إذا تم استخدامه بضوابط واضحة، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في التمويل الاستهلاكي غير المنضبط، الذي توسع بصورة مخيفة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بإعلانات مضللة، وسهولة مفرطة في منح التمويل، وغياب التقييم الحقيقي لقدرة العميل على السداد.
اسألوا الناس الذين اندفعوا عاطفيًا وراء إعلانات: “اشتري الآن وادفع لاحقًا”، أو “الموافقة خلال دقائق”، أو “امتلك كل ما تحلم به بسهولة”، ثم اكتشفوا لاحقًا أنهم وقعوا في فخ فوائد خفية، ورسوم إدارية مبالغ فيها، وغرامات تأخير تتضاعف مع الوقت، حتى أصبحت بعض الأسر تعمل فقط لسداد الأقساط.
الخطير أن هذا النموذج لا يشجع على الإنتاج أو الادخار أو الاستثمار الحقيقي، بل يدفع نحو استهلاك مفرط، واستهلاك استعراضي أحيانًا، يصنع وهم الرفاهية بينما تتآكل الدخول الحقيقية للأفراد.
والأخطر من ذلك أن المجتمع يبدأ تدريجيًا في تغيير ثقافته الاقتصادية؛ فبدلًا من أن يصبح السؤال: “كيف ننتج؟”، يتحول إلى: “كيف نقترض لنستهلك؟”.
هذا المسار يحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية كبيرة، تبدأ من الضغوط النفسية والأسرية، وتمر بارتفاع معدلات التعثر، ولا تنتهي عند احتمالات تكوين فقاعة استهلاكية خطيرة، تشبه إلى حد ما ما حدث في Global Financial Crisis الناتجة عن التوسع غير المحسوب في الإقراض العقاري والاستهلاكي في الولايات المتحدة الأمريكية.
قد يظن البعض أن المقارنة مبالغ فيها، لكنها ليست مستبعدة إذا استمرت فلسفة “البيع بالقسط بأي ثمن”، دون رقابة حقيقية، أو ضوابط عادلة، أو تقييم جاد لقدرة المواطنين على السداد.
الاقتصاد لا يُبنى فقط على تحريك الاستهلاك، بل على خلق قيمة مضافة وإنتاج وفرص عمل حقيقية. أما تحويل المجتمع إلى مجتمع ديون واستهلاك، فهذه وصفة خطيرة قد تدفع ثمنها الطبقة الوسطى أولًا، ثم الاقتصاد كله لاحقًا.
اليوم نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لهذا الملف:
هل أصبح التمويل الاستهلاكي أداة لتحسين الحياة؟ أم تحول تدريجيًا إلى مرض اجتماعي واقتصادي جديد؟
الإجابة الحقيقية موجودة عند الناس أنفسهم… اسألوهم

