المشهد الاقتصادي الذي نراه اليوم يقول إن كل طرف متمسك بمصلحته وأرباحه، وكأننا في معركة: من ينجو أولًا، حتى لو دفع المواطن الفاتورة كاملة.
نظرة واحدة إلى بعض الأسعار، والفجوة بين تكلفة المنتج وسعر بيعه للمستهلك، تكشف أن هناك مشكلة في آليات السوق والمنافسة والرقابة. ونظرة إلى أرباح بعض الشركات الكبرى، ومنها شركات الاتصالات، تفتح سؤالًا مشروعًا: هل يمكن أن تستمر الأرباح بنفس المنطق في وقت يتحمل فيه المواطن ضغوطًا استثنائية؟
وفي المقابل، هل إدارة الأزمة تكون دائمًا بتحميل المواطن المزيد من الأعباء؟
لا.. مش كده.
الاقتصاد لم يقل إن المواطن هو الطرف الذي يجب أن يتقشف وحده. بل إن واحدة من أهم أفكار جون ماينارد كينز تحذر من مفارقة التقشف الفردي عندما يتحول إلى سلوك جماعي؛ فإذا خفض الجميع إنفاقهم في وقت الركود، ينخفض الطلب، فتتراجع المبيعات والإنتاج والتوظيف، وتدور عجلة الاقتصاد إلى الخلف. (Federal Reserve Bank of St. Louis)
والأهم أن آدم سميث نفسه، الذي يُستدعى كثيرًا للدفاع عن السوق الحر، لم يقل إن السوق يعني أن يفعل كل طرف ما يشاء. فالمنافسة شرط أساسي حتى تعمل «اليد الخفية» لصالح المجتمع، أما الاحتكار وإضعاف المنافسة فيمكن أن يرفعا الأسعار ويضرّا بالمصلحة العامة. (Wiley Online Library)
وهنا نصل إلى ابن خلدون.
قبل أكثر من ستة قرون، أدرك صاحب «المقدمة» أن الدولة التي تضغط اقتصاديًا على المنتج والتاجر والمستثمر تقتل الحافز على العمل والإنتاج، وأن زيادة العبء لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات؛ بل قد يحدث العكس عندما ينكمش النشاط الاقتصادي. وقد أصبحت هذه الفكرة لاحقًا مرتبطة بما يعرف بمنحنى لافر. (Georgetown Faculty)
أما مالك بن نبي فكان ينظر إلى التنمية باعتبارها مشروعًا حضاريًا، لا مجرد زيادة أرقام في الناتج أو الاستهلاك. الإنسان والوقت والموارد عناصر متكاملة، والتنمية لا تُبنى بمجرد الاستهلاك أو استيراد نماذج جاهزة، وإنما ببناء الإنسان والمؤسسات والقدرة على الإنتاج. (ASJP)
وفي الاقتصاد الحديث، جاء جوزيف ستيجلتز ليؤكد أن السوق ليس معصومًا من الخطأ، وأن هناك حالات يفشل فيها السوق، خصوصًا عندما تضعف المنافسة أو يختل توازن القوة والمعلومات. وهنا يصبح دور الدولة هو إصلاح السوق لا خنقه، وحماية المنافسة لا حماية طرف على حساب طرف. (OUP Academic)
إذن ماذا نريد؟
نريد تقاسمًا عادلًا لتكلفة الأزمة.
الشركات مطالبة بأن تراجع هوامش أرباحها عندما تقتضي الضرورة، لا أن يتحول كل ضغط في التكلفة إلى زيادة تلقائية في سعر البيع.
والأجهزة المعنية مطالبة بأن تراقب الأسواق على أساس التكلفة الحقيقية وهوامش الربح والمنافسة، لا بمجرد حملات تفتيش موسمية.
ونحتاج إلى كشف واضح لسلاسل التسعير في السلع الأساسية، وتشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية، وفتح المجال أمام منافسين جدد، لأن أفضل حماية للمستهلك ليست التسعير الإداري الدائم، وإنما منافسة حقيقية تكسر قدرة أي طرف على فرض السعر الذي يريده.
وفي الوقت نفسه، لا بد أن تبدأ الدولة بنفسها: مراجعة الإنفاق، تقليل الهدر، ترتيب الأولويات، وتأجيل ما يمكن تأجيله من الإنفاق غير الضروري قبل مطالبة المواطن بمزيد من التضحية.
ونحتاج كذلك إلى حماية القوة الشرائية للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل؛ لأن المواطن الذي يتوقف عن الشراء ليس مجرد مواطن يعاني، بل هو أيضًا مستهلك ينسحب من السوق، وتاجر يخسر، ومصنع يخفض إنتاجه، وعامل قد يفقد وظيفته.
الاقتصاد دائرة واحدة.. وليس جزرًا منفصلة.
لا يمكن أن نطالب المواطن وحده بالتقشف، بينما نطلب من السوق أن يستمر في رفع الأسعار، ومن الشركات أن تحافظ على هوامش أرباحها، ومن الحكومة أن تزيد إيراداتها.
الأزمة الحقيقية لا تُدار بمنطق: «كل واحد يدبر نفسه».
تُدار بمنطق أن الجميع في خندق واحد.
الشركة تربح، نعم.. لكن تربح من سوق حي.
والدولة تحصل على إيرادات، نعم.. لكن من اقتصاد ينمو.
والمواطن يتحمل، نعم.. لكن في حدود قدرته، ويشعر أن التضحية موزعة بعدالة.
فلسفة الاقتصاد في النهاية ليست تعظيم ربح طرف على حساب المجتمع، وإنما خلق منظومة تجعل الربح والإنتاج والاستثمار ومصلحة المواطن أهدافًا يمكن أن تتحرك معًا.
ولذلك، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع اليوم بسيطة:
لا أحد يريد من الشركات أن تخسر، ولا أحد يريد من الدولة أن تتوقف، ولا أحد يرفض التضحية.. لكن لا يجوز أن يكون المواطن هو الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن الأزمة.
فهذه ليست وصفة للإصلاح..
هذه وصفة للركود.
وساعتها لن يخسر المواطن وحده.
سنخسر جميعًا.
سعيد الأطروش
