تستهدف وزارة الصناعة تنفيذ خطة استثمارية لإعادة ترتيب خريطة الإنتاج في مصر، لا تقتصر على زيادة حجم الاستثمارات، وإنما تستهدف إعادة تشكيل هيكل القطاع الصناعي وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات ومجمعات إنتاجية أكثر تكاملًا.
وتستهدف خطة التنمية للعام المالي 2026/2027 توجيه نحو 281.3 مليار جنيه للاستثمارات في قطاع الصناعة التحويلية، بزيادة 16.5% عن الاستثمارات المتوقعة خلال العام المالي 2025/2026، والبالغة نحو 241.5 مليار جنيه.

من المصنع إلى المجمع الصناعي
وتتزامن الزيادة المستهدفة في الاستثمارات مع تحول في أولويات الدولة، من التوسع في إنشاء المصانع بصورة منفردة إلى تطوير مجمعات صناعية متخصصة، وتوطين سلاسل الإمداد، ودعم الصناعات الخضراء، وتوسيع قاعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ويستهدف هذا التوجه رفع كفاءة التشغيل، وتحقيق وفورات التخصص والتجميع، وزيادة قدرة المنتج المحلي على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، مع خلق روابط أكبر بين المصانع والموردين المحليين.
وتضع خطة 2026/2027 توطين الصناعات التقليدية في مناطق متخصصة ضمن أبرز برامج التنمية الصناعية، بهدف استغلال المزايا النسبية التي تتمتع بها مصر في عدد من الأنشطة، وتجميعها داخل مجمعات متكاملة الخدمات ومهيأة بيئيًا لطبيعة كل نشاط.
ويأتي قطاع الأثاث ومدينة دمياط للأثاث نموذجًا لهذا التوجه، من خلال تجميع الأنشطة المرتبطة بالصناعة في نطاق جغرافي واحد بما يدعم التكامل بين مراحل الإنتاج.
414 وحدة صناعية في 12 مجمعًا
وفي سياق متصل، تستهدف استراتيجية وزارة الصناعة دعم سلاسل الإمداد من خلال طرح 414 وحدة صناعية كاملة التجهيز والمرافق داخل 12 مجمعًا صناعيًا في 11 محافظة.
وتتوزع الوحدات على مجمعات بياض العرب ببني سويف، وعرب جرجا بسوهاج، وهو بقنا، وعرب العوامر بأسيوط، والمظاهرة بالمنيا، ومرغم 2 بالإسكندرية، والبغدادي بالأقصر، والمجمع المعدني والخرساني بالفيوم، والجنينة والشباك بأسوان، والسادات بالمنوفية، والمحلة الكبرى بالغربية.
وتضم الأنشطة المستهدفة الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والبلاستيكية والغزل والنسيج ومواد البناء والصناعات المعدنية والدوائية والجلود، بما يوسع قاعدة الإنتاج ويدعم الروابط بين المشروعات والموردين المحليين.
الصناعات الخضراء
ويبرز التحول نحو الصناعة الخضراء كأحد أهم محاور خريطة الاستثمارات الصناعية خلال المرحلة المقبلة، من خلال برنامج الصناعات الخضراء المستدامة (CSI)، الذي يستهدف إحداث تحول في القطاع الصناعي عبر تمويل يصل إلى 271 مليون يورو من شركاء دوليين.
ويركز البرنامج على تمويل مشروعات التوافق البيئي وإزالة التلوث، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتبني التكنولوجيات النظيفة، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استخدام الموارد داخل المنشآت الصناعية.
كما يمتد إلى دعم الاقتصاد الدائري من خلال إعادة التدوير وإنتاج الوقود البديل، بما يعزز قدرة المنتجات المصرية على الالتزام بالمعايير البيئية العالمية ويدعم فرصها التصديرية، خاصة في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الحديد والصلب والأسمنت والكيماويات والصناعات الغذائية وإدارة المخلفات.
ويأتي ذلك في إطار المستهدف الحكومي لرفع نسبة الاستثمارات العامة الخضراء من 40% خلال 2023/2024 إلى 70% بحلول عام 2030، عبر دمج البعد البيئي في منظومة التخطيط والاستثمار.
الهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية
وتبرز ضمن الصناعات البيئية المستهدف تنميتها خلال المرحلة المقبلة صناعة الهيدروجين الأخضر، ومعدات ومكونات محطات توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، بما يعكس توجهًا نحو جذب الاستثمارات إلى صناعات ترتبط بالتحول العالمي في قطاع الطاقة.
ولا تقتصر أهمية هذه القطاعات على البعد البيئي، إذ يمكن أن تمثل مدخلًا لتعميق التصنيع المحلي وخلق صناعات مغذية جديدة، خاصة مع توسع الأسواق العالمية في الطلب على المنتجات منخفضة الانبعاثات.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة
وتستهدف خطة التنمية كذلك توسيع قاعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر باعتبارها أحد المكونات الرئيسية لمنظومة التصنيع وسلاسل الإمداد.
وتم تعديل بعض أحكام مشروع قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بما أعاد تحديد شرائح المشروعات وفقًا لحجم الأعمال ورأس المال المدفوع.
ووفق التعريفات المعدلة، تشمل المشروعات المتوسطة تلك التي يتراوح حجم أعمالها السنوي بين 100 و400 مليون جنيه، إلى جانب المشروعات الصناعية حديثة التأسيس التي يتراوح رأس مالها المدفوع بين 10 و30 مليون جنيه، وغير الصناعية حديثة التأسيس برأس مال يتراوح بين 6 و10 ملايين جنيه.
أما المشروعات الصغيرة، فيتراوح حجم أعمالها السنوي بين مليوني جنيه وأقل من 100 مليون جنيه، بينما تشمل المشروعات الصناعية الحديثة برأس مال من 100 ألف إلى أقل من 10 ملايين جنيه، وغير الصناعية الحديثة برأس مال من 100 ألف إلى أقل من 7 ملايين جنيه.
وتصنف المشروعات متناهية الصغر بأنها التي يقل حجم أعمالها السنوي عن مليوني جنيه أو يقل رأس مالها المدفوع عن 100 ألف جنيه.
استثمار لإعادة تشكيل الصناعة
وتشير تفاصيل الخطة إلى أن استهداف 281.3 مليار جنيه للاستثمارات في الصناعة التحويلية خلال 2026/2027 لا يعكس مجرد زيادة في الإنفاق الاستثماري، وإنما يكشف عن توجه لإعادة تشكيل هيكل القطاع نفسه.
ففي الوقت الذي توفر فيه المجمعات الصناعية قاعدة للتخصص والتجميع، تستهدف برامج التوطين تعميق سلاسل الإمداد، بينما يدفع برنامج الصناعات الخضراء نحو صناعات أقل استهلاكًا للموارد وأكثر توافقًا مع متطلبات الأسواق العالمية.
وبذلك تتحرك الصناعة المصرية على عدة مسارات متوازية: زيادة الاستثمارات، وتوطين الإنتاج، وتجميع الصناعات في مجمعات متخصصة، ورفع المكون الأخضر، وتوسيع قاعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، في محاولة لتحويل الاستثمارات الجديدة إلى قدرة إنتاجية وتنافسية وتصديرية أكثر إستدامة.

