«الفائدة تضغط.. والسيولة تتحول».. كيف أعاد الفيدرالي رسم خريطة التداول في البورصة المصرية؟| تقرير
أنهت البورصة المصرية أسبوعًا مضطربًا تزامن مع أحد أهم الأحداث المؤثرة في حركة الأسواق العالمية، وهو اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي انتهى برفع الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75% و4%، في أول زيادة منذ يوليو 2023، مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.
وبينما كانت الأسواق تترقب قرار الفيدرالي وإشاراته بشأن مسار السياسة النقدية، تعرضت صناديق الأسهم العالمية لضغوط واضحة، بعدما سجلت صافي سحوبات بقيمة 23.21 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 16 سبتمبر، وهو أعلى مستوى للسحوبات الأسبوعية في 9 أشهر.
وفي مصر، انعكست حالة الحذر على مؤشرات الأسهم ورأس المال السوقي، لكن الصورة الكاملة تكشف تحركًا أكثر تعقيدًا للسيولة؛ إذ ارتفعت قيمة التداول الإجمالية بقوة، مدفوعة بشكل رئيسي بأدوات الدين الحكومية.
في الوقت الذي سجل فيه المستثمرون الأجانب صافي شراء للأسهم، بينما اتجهت المؤسسات المصرية والعربية إلى البيع في سوق الأسهم والشراء بقوة في أذون وسندات الخزانة.
السوق لا يتوقف
أنهت مؤشرات البورصة الرئيسية الأسبوع على تراجع جماعي، إذ انخفض مؤشر EGX30 بنسبة 1.39% إلى 55,498.72 نقطة
بينما تراجع EGX70 EWI بنسبة 1.60% إلى 21,061.13 نقطة، وهبط EGX100 EWI بنسبة 1.13% إلى 27,681.98 نقطة.
وامتد التراجع إلى مؤشر EGX35-LV الذي انخفض 1.59% إلى 6,888.09 نقطة، ومؤشر EGX30 Capped بنسبة 0.80% إلى 69,287 نقطة
بينما كان الانخفاض محدودًا في EGX33 Shariah بنسبة 0.08% إلى 6,749.94 نقطة.
و سجل مؤشر TAMAYUZ ارتفاعًا لافتًا بلغ 10.65% ليغلق عند 48,993.67 نقطة، كما صعد مؤشر EGX T Bonds بنسبة 0.40% إلى 2,655 نقطة.
وتراجع رأس المال السوقي للأسهم المقيدة إلى نحو 4.3966 تريليون جنيه، مقابل 4.4082 تريليون جنيه في بداية الأسبوع، بخسارة بلغت 11.6 مليار جنيه.
وانخفض رأس المال السوقي للأسهم المكونة لمؤشر EGX30 بنسبة 0.6% إلى 2.3993 تريليون جنيه
كما تراجع رأس مال EGX70 EWI إلى 1.0094 تريليون جنيه، وEGX100 EWI إلى 3.4087 تريليون جنيه.
لكن هذا التراجع لم يشمل جميع مكونات السوق؛ فقد ارتفع رأس المال السوقي للشركات الصغيرة والمتوسطة
إلى 4.4 مليار جنيه مقابل 4.2 مليار جنيه، بزيادة 5.4%
فيما صعد إجمالي رأس المال المدفوع للشركات المقيدة إلى 601.1 مليار جنيه مقابل 597.6 مليار جنيه، بنمو 0.6%.
527.7 مليار جنيه.. أين ذهبت السيولة؟
المفارقة الأبرز في أداء الأسبوع ظهرت في قيمة التداول، التي ارتفعت إلى 527.66 مليار جنيه، مقارنة مع 373.94 مليار جنيه في الأسبوع السابق، رغم انخفاض حجم التداول من 17.19 مليار ورقة مالية إلى 15.76 مليار ورقة، وتراجع عدد العمليات من نحو 1.532 مليون إلى 1.357 مليون عملية.
لكن قراءة رقم التداول الإجمالي وحده قد تعطي صورة غير مكتملة عن نشاط الأسهم؛ فأذون وسندات الخزانة استحوذت على 464.66 مليار جنيه من التداولات، أي أن أدوات الدين كانت المحرك الأكبر للسيولة خلال الأسبوع.
وبلغت قيمة تداول الأسهم المقيدة، بما فيها أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، نحو 60.4 مليار جنيه، بينما سجلت الأسهم غير المقيدة OTC نحو 2.59 مليار جنيه، وصناديق المؤشرات ETF نحو 11.12 مليون جنيه، في حين بلغت تداولات الشركات الصغيرة والمتوسطة 658.7 مليون جنيه.
وبذلك استحوذت أذون وسندات الخزانة على 88.61% من قيمة التداول في السوق الرئيسي، مقابل 11.39% فقط للأسهم.
هذه الأرقام تعكس تحولًا مهمًا في خريطة السيولة خلال أسبوع اتسم بارتفاع حساسية المستثمرين تجاه أسعار الفائدة العالمية، حيث لم تختف السيولة من السوق، لكنها تحركت بدرجة أكبر نحو أدوات الدين.
الأجانب يشترون الأسهم
ورغم الضغوط التي تعرضت لها الأسهم، سجل المستثمرون الأجانب صافي شراء بلغ نحو 1.2376 مليار جنيه خلال الأسبوع، مقابل صافي بيع للمستثمرين العرب بقيمة 496.1 مليون جنيه.
واستحوذ المصريون على 86.2% من قيمة التداول بالأسهم المقيدة بعد استبعاد الصفقات، مقابل 10.5% للأجانب و3.3% للعرب.
لكن المشتريات الأجنبية الأسبوعية لم تغير الصورة التراكمية منذ بداية العام، إذ ظل الأجانب في منطقة صافي البيع بنحو 11.1786 مليار جنيه، كما سجل المستثمرون العرب صافي مبيعات منذ بداية 2026 بنحو 9.5172 مليار جنيه.
وعلى مستوى المؤسسات تحديدًا، سجلت المؤسسات المصرية صافي بيع للأسهم بقيمة 1.3343 مليار جنيه، مقابل صافي شراء للمؤسسات الأجنبية بقيمة 1.228 مليار جنيه، بينما سجلت المؤسسات العربية صافي بيع بنحو 432.6 مليون جنيه.
واتجهت المؤسسات المصرية بقوة إلى أدوات الدين، مسجلة صافي شراء بلغ 25.607 مليار جنيه في أذون وسندات الخزانة، كما سجلت المؤسسات العربية صافي شراء بقيمة 18.018 مليار جنيه.
أما المؤسسات الأجنبية فسجلت صافي بيع في أدوات الدين بقيمة 45.751 مليار جنيه.
الأفراد يعوضون
ولم يكن سلوك الأفراد متطابقًا مع اتجاه المؤسسات، إذ سجل المستثمرون الأفراد المصريون صافي شراء في الأسهم بقيمة 592.8 مليون جنيه، مقابل صافي بيع للأفراد العرب بقيمة 63.5 مليون جنيه، وصافي شراء للأجانب بقيمة 9.6 مليون جنيه.
كما سجل الأفراد المصريون صافي شراء في أذون وسندات الخزانة بنحو 1.142 مليار جنيه.
وتكشف هذه التحركات عن انقسام واضح داخل السوق بين فئات المستثمرين، فبينما اتجهت المؤسسات المصرية إلى تخفيف مراكزها في الأسهم وزيادة انكشافها على أدوات الدين، واصل الأفراد المصريون ضخ سيولة في الأسهم.
وبذلك لم يكن تراجع المؤشرات مصحوبًا بخروج شامل للسيولة من السوق، وإنما بإعادة توزيعها بين الأدوات والفئات الاستثمارية المختلفة.
البنوك في الصدارة
وعلى مستوى هيكل السوق، حافظ قطاع البنوك على أكبر وزن من رأس المال السوقي للبورصة المصرية عند 22.99%، يليه قطاع الموارد الأساسية بنسبة 13.23%، ثم العقارات بنسبة 12.24%.
وجاء قطاع الاتصالات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات بوزن 9.41%، ثم الخدمات والمنتجات الصناعية والسيارات بنسبة 7.30%، والخدمات المالية غير المصرفية بنسبة 6.53%، والأغذية والمشروبات والتبغ بنسبة 6.38%.
وبالنسبة لنشاط التداول على الأسهم، تصدر قطاع الخدمات المالية غير المصرفية بقيمة 9.46 مليار جنيه، تمثل 15.8% من إجمالي تداولات الأسهم، تلاه المقاولات والإنشاءات الهندسية بـ9.10 مليار جنيه، ثم العقارات بـ8.77 مليار جنيه.
وسجل قطاع الرعاية الصحية والأدوية تداولات بقيمة 6.41 مليار جنيه، يليه قطاع البنوك بـ4.61 مليار جنيه، ثم الأغذية والمشروبات والتبغ بـ4.32 مليار جنيه، والموارد الأساسية بـ3.61 مليار جنيه، والاتصالات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات بـ3.01 مليار جنيه.
وباستبعاد الصفقات، بلغ إجمالي قيمة التداول على الأسهم نحو 59.74 مليار جنيه، من خلال تداول 15.14 مليار سهم وتنفيذ نحو 1.321 مليون عملية.
الفائدة وشهية المخاطرة
وتأتي هذه التحركات في وقت دخلت فيه الأسواق العالمية مرحلة جديدة بعد قرار الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة إلى 3.75%-4%، وسط استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وبالنسبة للأسواق الناشئة، لا يتعلق تأثير القرار بمستوى الفائدة الأمريكية وحده، وإنما بما يترتب عليه من تغير في جاذبية الأصول المقومة بالدولار، وتكلفة التمويل، واتجاهات تدفقات الأموال العالمية.
وفي البورصة المصرية، جاءت بيانات الأسبوع لتظهر أن التأثير لم يأخذ شكلًا واحدًا؛ فمؤشرات الأسهم تراجعت، بينما ارتفعت قيمة التداول الإجمالية، وسجل الأجانب صافي شراء في الأسهم، في حين انتقلت حصة كبيرة من السيولة إلى أذون وسندات الخزانة.
