عاد ملف صناعة الحديد والصلب في مصر إلى واجهة الجدل مع بدء تطبيق تدابير وقائية جديدة على واردات خام البليت، في وقت تنقسم فيه الرؤية داخل القطاع بين مصانع الدرفلة من جهة، والمصانع المتكاملة وشبه المتكاملة من جهة أخرى.
فالرسوم التي تستهدف حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الخارجية تفتح في الوقت نفسه سؤالًا آخر حول تكلفة مدخلات الإنتاج، ومدى قدرة المصانع التي تعتمد على البليت المستورد على مواصلة التشغيل والمنافسة، خصوصًا مع وجود مطالب بإعادة النظر في هيكل الصناعة والطاقة الإنتاجية القائمة قبل إضافة طاقات جديدة.
3 سنوات من الرسوم
وبموجب القرار رقم 121 لسنة 2026، فُرضت تدابير وقائية على واردات البليت لمدة 3 سنوات، تبدأ بنسبة 13.12% في السنة الأولى، بحد أدنى 70 دولارًا للطن.
وتنخفض النسبة في السنة الثانية إلى 12% بحد أدنى 64 دولارًا للطن، ثم إلى 11% في السنة الثالثة بحد أدنى 59 دولارًا للطن.
ويأتي القرار النهائي بعد إجراءات مؤقتة اتخذتها الحكومة في سبتمبر 2025، عندما فُرضت رسوم وقائية على واردات البليت بنسبة 16.2% لمدة 200 يوم، قبل الانتقال إلى التدبير الحالي الممتد لثلاث سنوات.
وبينما تستهدف هذه الإجراءات تنظيم المنافسة وحماية المنتج المحلي، فإن تأثيرها لا يتوزع بالطريقة نفسها على جميع أطراف الصناعة، وهو ما يفسر جانبًا من الجدل الدائر حول القرار.
ملف المصانع المتوقفة
ومن زاوية أخرى، يرى أيمن العشري، رئيس غرفة القاهرة التجارية، أن مناقشة أزمة البليت لا ينبغي أن تنفصل عن سؤال أكبر يتعلق بأسباب توقف عدد من مصانع الحديد والصلب المصرية.
وضرب العشري مثالًا بمصنع الحديد والصلب، مشيرًا إلى أن المصنع كان يعتمد على خامات تأتي من الواحات، وأن فصل تلك الخامات عن المصنع أدى، بحسب وصفه، إلى انقطاع المادة الخام اللازمة للإنتاج.
وقال في تصريحات تلفزيونية: «كان هو المصنع الوحيد اللي عنده خامات ومتكامل»، متسائلًا عن أسباب توقفه، ومشيرًا إلى أن المصنع أصبح يباع كخردة، بحسب ما ذكره.
ويضع هذا الطرح ملف الرسوم في سياق أوسع من مجرد تكلفة خام البليت، إذ يربط بين قدرة الصناعة على المنافسة وبين توافر الخامات، واستمرار المصانع القائمة، وطريقة إدارة الطاقات الإنتاجية الموجودة بالفعل.
الصناعة المتكاملة
ولم يتوقف طرح العشري عند مصنع الحديد والصلب، إذ أثار تساؤلات حول عدد من المصانع القديمة التي كانت تمثل حلقات مهمة في قطاع الحديد والصناعات المعدنية، ومن بينها مصنع الأهلية للصلب.
كما أشار إلى شركة النحاس المصرية ومصنع الدلتا للصلب، موضحًا أن هذه المصانع كانت من الجهات التي اعتمدت عليها الورش والمصانع في السابق، وداعيًا إلى بحث أسباب توقفها والعوامل التي أدت إلى خروجها من الإنتاج.
وبحسب العشري، فإن هذه المصانع كانت مملوكة للدولة والشعب، وبالتالي فإن البحث في أسباب توقفها يجب أن يكون جزءًا من النقاش الحالي حول مستقبل الصناعة المحلية، بدلًا من حصر المشكلة في الواردات والرسوم المفروضة عليها.
هل تحتاج مصر إلى طاقات جديدة للبليت؟
ويمتد الجدل إلى ملف التراخيص والطاقة الإنتاجية، حيث تساءل العشري عن أسباب طرح رخص جديدة لإنتاج الحديد، في الوقت الذي تشير فيه بيانات متداولة إلى أن الطاقة الإنتاجية المحلية للبليت تبلغ نحو 13.7 مليون طن سنويًا، مقابل احتياجات محلية تقدر بنحو 8.8 مليون طن.
ويطرح هذا الفارق سؤالًا حول جدوى إضافة طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق، في ظل وجود طاقات قائمة بالفعل، داعيًا إلى إجراء تقييم لاحتياجات السوق والطاقة المتاحة قبل التوسع في منح رخص جديدة.
لكن المقارنة بين الطاقة الإنتاجية والاحتياجات المحلية لا تعني بالضرورة وجود فائض كامل من البليت متاح للبيع في السوق، إذ يذهب جزء من الإنتاج إلى خطوط الدرفلة التابعة للمصانع المتكاملة وشبه المتكاملة.
وهنا تظهر إحدى النقاط الأساسية في الجدل: الرقم الإجمالي للطاقة الإنتاجية لا يعكس بالضرورة الكميات المتاحة فعليًا أمام جميع المصانع، ولا يوضح بمفرده مدى قدرة كل نوع من المصانع على الحصول على احتياجاته من الخامات.
البليت ليس أزمة
ويرى العشري أن تأثير أزمة مدخلات الإنتاج يتجاوز صناعة حديد التسليح، مشيرًا إلى مصانع القطاعات التي تعتمد على مدخلات إنتاج مختلفة، والتي تمثل جزءًا من الصناعات المرتبطة بالحديد والصلب.
وقال إن عددًا من مصانع القطاعات توقف عن العمل، في الوقت الذي أصبح فيه استيراد بعض المنتجات أقل تكلفة من إنتاجها محليًا، بحسب تقديره.
وهذا الجانب يوسع نطاق القضية من حماية منتج بعينه إلى تكلفة الصناعة المصرية ككل؛ فارتفاع تكلفة المدخلات قد يمنح المنتج المحلي حماية من المنافسة الخارجية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يضغط على المصانع التي تعتمد على هذه المدخلات في إنتاج منتجات أخرى.
وبالتالي، فإن تأثير رسوم البليت لا يقاس فقط بما يحدث داخل مصانع الدرفلة، وإنما بما إذا كانت زيادة تكلفة الخامة ستنتقل إلى حلقات أخرى من سلسلة الإنتاج، وما إذا كانت المصانع قادرة على تمرير هذه التكلفة إلى السوق دون فقدان قدرتها التنافسية.
المعادلة الصعبة بين الحماية والتشغيل
ويضع الجدل الحالي صناعة الحديد أمام معادلة مزدوجة: فمن ناحية، تستهدف الرسوم الوقائية تنظيم الواردات ودعم المنتج المحلي، ومن ناحية أخرى تواجه مصانع تعتمد على البليت مخاوف من ارتفاع تكلفة الإنتاج وتراجع القدرة على المنافسة.
ويؤكد العشري أن أصحاب المصانع يسعون إلى نقل مطالبهم ومشكلاتهم إلى الجهات المعنية، بما يسهم في الحفاظ على الاستثمارات واستمرار التشغيل، وكان قد حذر في تصريحات سابقة من أن رسوم البليت تزيد أعباء الإنتاج وتؤثر في القدرة التنافسية لبعض مصانع الدرفلة.
