تتحرك الحكومة المصرية لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، في وقت تتزايد فيه المطالب البرلمانية بكشف مخاطر تكلفة الاقتراض وإعادة التمويل.
وبينما يؤكد مجلس الوزراء أن الدين يسير في مسار نزولي، تكشف بيانات أخرى عن استمرار ضغوط مرتبطة بآجال الاستحقاق وتكلفة التمويل والالتزامات بالعملات الأجنبية.
وقال المستشار محمد عادل، المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن دين أجهزة الموازنة تراجع من 95.7% من الناتج المحلي في العام المالي 2022/2023 إلى 82% بنهاية العام المالي 2025/2026.
وأضاف أن الحكومة تستهدف مواصلة خفض الدين خلال العام المالي المقبل، مع وصوله إلى قرابة 87%، بحسب تصريحاته.
وفي المقابل، تقدم النائب محمد فؤاد بطلبَي إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية.
وتناول الطلبان مخاطر إعادة تمويل الدين الحكومي، وارتفاع تكلفة الاقتراض، إلى جانب زيادة الالتزامات بالعملات الأجنبية.
لماذا يختلف الرقم؟
وتبدو أرقام الدين مختلفة عند مقارنة بيانات الحكومة بتقديرات صندوق النقد الدولي.
إذ يشير تصريح المتحدث باسم مجلس الوزراء إلى دين أجهزة الموازنة، بينما يقدر صندوق النقد الدولي الدين العام بنحو 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026.
لذلك، فإن اختلاف النسب يرتبط بنطاق القياس وتعريف الدين المستخدم في كل بيانات، وليس بالضرورة بتعارض الأرقام.
وفي الوقت نفسه، يتوقع صندوق النقد تراجع الدين العام تدريجيًا خلال السنوات المقبلة، مع استمرار المخاطر المرتبطة باحتياجات التمويل وإعادة تدوير الديون.
تكلفة الدين تحت الضغط
ويركز طلب الإحاطة المقدم من محمد فؤاد على نقطة أخرى تتجاوز مجرد انخفاض نسبة الدين.
وأوضح النائب أن متوسط العائد المرجح لأذون وسندات الخزانة، قبل خصم الضرائب، ارتفع إلى 24.5% في الربع الثاني من 2026.
وجاء ذلك مقابل 23.8% في الربع الأول من العام نفسه.
كذلك، بلغ متوسط أجل الإصدارات الجديدة نحو 1.1 سنة بنهاية يونيو 2026، وهو مستوى ظل دون المستهدف، بحسب ما أورده النائب.
وتعني هذه الأرقام أن خفض نسبة الدين لا ينهي تلقائيًا الضغوط المرتبطة بخدمته.
فكلما قصرت آجال الاستحقاق، زادت الحاجة إلى إعادة تمويل الدين خلال فترات زمنية أقصر.
ومن ثم، تصبح تكلفة الاقتراض وظروف السوق عنصرين أساسيين في إدارة الدين.
42% احتياجات تمويل
وأشار النائب إلى تقديرات صندوق النقد الدولي التي تضع احتياجات التمويل الإجمالية عند نحو 42% من الناتج المحلي خلال العام المالي 2025/2026.
كما قدر التقرير الدين العام عند 91.1% من الناتج خلال الفترة نفسها.
ويرى صندوق النقد أن الدين قابل للاستدامة على المدى المتوسط، لكن مع استمرار مخاطر مرتبطة بالتمويل وإعادة التمويل.
وبالتالي، لا يرتبط التحدي بحجم الدين فقط.
بل يمتد أيضًا إلى كيفية تمويل الاستحقاقات المقبلة، وتكلفة هذا التمويل، وقدرة الموازنة على التعامل مع تغيرات الأسواق.
56.2 مليار دولار
ويبرز ملف الاقتراض بالعملة الأجنبية كأحد أبرز محاور طلب الإحاطة الثاني.
وأوضح محمد فؤاد أن قروض الحكومة بالعملة الأجنبية من البنوك المصرية ارتفعت إلى 56.2 مليار دولار بنهاية مايو 2026.
وكانت هذه القروض تبلغ نحو 47.97 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025.
وبذلك زادت بنحو 8.23 مليار دولار خلال خمسة أشهر، بنسبة تقارب 17%.
وطالب النائب بالكشف عن أسباب هذه الزيادة، واستخدامات القروض، وتكلفتها، وآجال استحقاقها، ومصادر سدادها.
كما دعا إلى التمييز بين الاقتراض الجديد والتغيرات الناتجة عن إعادة التقييم.
الدولار يزيد المخاطر
ويرتبط الاقتراض بالعملة الأجنبية بمخاطر إضافية عند تغير سعر الصرف.
وأوضح النائب أن الدين المقوم بالعملات الأجنبية يظل معرضًا لمخاطر سعر الصرف، سواء كان الدائن بنكًا داخل مصر أو جهة خارجية.
وفي الحالتين، يؤدي انخفاض قيمة الجنيه إلى زيادة عبء السداد المقوم بالجنيه.
ولهذا، طالب بتقديم صورة متكاملة عن الالتزامات بالنقد الأجنبي، مع تحديد نصيب الحكومة منها.
الأجانب وأذون الخزانة
كما سلط طلب الإحاطة الضوء على دور المستثمرين غير المقيمين في سوق أدوات الدين المحلية.
وبحسب البيانات التي أوردها النائب، ارتفعت حصة غير المقيمين من إجمالي أذون الخزانة إلى نحو 42% إلى 43% في يونيو 2026.
وكانت هذه الحصة تتراوح بين 32% و34% في يونيو 2025.
وفي المقابل، شهدت حيازات الأجانب تقلبات خلال الفترة الماضية.
فقد تراجعت من 39.1 مليار دولار في 18 فبراير إلى 22.2 مليار دولار في 8 أبريل 2026.
ثم عادت وارتفعت إلى 37.2 مليار دولار بنهاية يونيو.
وتعكس هذه التحركات حساسية تدفقات المستثمرين للتغيرات الخارجية وظروف الأسواق العالمية.
جلسة خاصة للدين
وفي مواجهة هذه الملفات، طالب محمد فؤاد بعقد جلسة خاصة للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب.
وتستهدف الجلسة مناقشة الاستحقاقات المقبلة ونتائج إجراءات إدارة الدين.
كما دعا إلى عرض ما تحقق من توصيات استراتيجية المالية العامة متوسطة المدى.
ويركز ذلك، بشكل خاص، على خفض تكلفة الاقتراض وإطالة آجال الاستحقاق وتقليل مخاطر إعادة التمويل.
الدين على طاولة المنتدى
ويتزامن ذلك مع استعدادات منتدى مصر 2026 لمناقشة ملف موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين.
وأكد المستشار محمد عادل أن جلسة خاصة ستخصص لملف إدارة الدين ضمن فعاليات المنتدى.
ومن المقرر أن يناقش المنتدى ملف موارد النقد وإدارة الدين ضمن المحور الاقتصادي، إلى جانب البرنامج الاقتصادي المصري حتى 2030.
كما عقد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ورشة تحضيرية تناولت إدارة الدين العام وموارد النقد الأجنبي.
وشملت المناقشات إطالة آجال الدين، وخفض الاحتياجات التمويلية، وتنويع أدوات التمويل، وإدارة مخاطر تدفقات المحافظ الاستثمارية.
ما الذي ستكشفه الحكومة؟
وبين المسار النزولي الذي تتحدث عنه الحكومة، والمخاطر التي يطرحها طلب الإحاطة، تتجه الأنظار إلى ما ستكشف عنه جلسات مناقشة الدين.
فالمعيار لا يتعلق فقط بانخفاض نسبة الدين إلى الناتج.
بل يشمل كذلك تكلفة الاقتراض، وآجال الاستحقاق، وحجم الاحتياجات التمويلية، ومخاطر العملة.
ومن هنا، تكتسب المطالب الخاصة بإجراء اختبارات ضغط للدين أهمية خاصة.
وطالب محمد فؤاد بأن تشمل هذه الاختبارات سيناريوهات ارتفاع تكلفة التمويل وتغير سعر الصرف وخروج استثمارات غير المقيمين.
كما دعا إلى إجراءات قابلة للمتابعة لإطالة آجال الدين وخفض مخاطر العملة وإعادة التمويل.
وتضع هذه الملفات إدارة الدين أمام اختبار يتجاوز مجرد خفض النسبة، ليشمل قدرة الموازنة على تحمل تكلفة التمويل والاستحقاقات المقبلة.
