مصر – تركيا: عندما يُصلح الاقتصاد ما أفسدته السياسة

بقلم: د.منى وهبة استاذ الأقتصاد الدولي

لم تكن زيارة الرئيس التركي إلى مصر هذه المرة زيارةً ثنائيةً تقليدية، بل جاءت محمّلة بدلالات استراتيجية تتجاوز البروتوكول السياسي، لتؤسس لمسار اقتصادي–أمني جديد يخدم توازنات إقليمية آخذة في التشكل. فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب شاملة، لم تعد فيها الأيديولوجيا قادرة على إدارة الصراعات، بينما بات الاقتصاد هو اللغة المشتركة الوحيدة القادرة على إعادة فتح القنوات المغلقة.

على مدار أكثر من عقد، اتسمت العلاقات المصرية–التركية بدرجات متفاوتة من التوتر، انعكست سلبًا على فرص التعاون، رغم أن الواقع الاقتصادي كان، في كثير من الأحيان، أكثر نضجًا من الخلاف السياسي. واليوم، يبدو أن الطرفين قد أدركا أن كلفة القطيعة أصبحت أعلى من كلفة التقارب، وأن إدارة الخلاف لا تعني تعطيل المصالح، بل إعادة تنظيمها في إطار أكثر عقلانية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التقارب المصري–التركي عن بعده الأمني الأوسع، ولا عن حتمية إدماجه ضمن إطار إقليمي أشمل يضم دولًا محورية مثل السعودية وباكستان. فالتحولات الجارية في الإقليم، من اضطراب الممرات البحرية، إلى تصاعد التهديدات غير التقليدية، مرورًا بملفات الطاقة والهجرة والأمن الغذائي، تفرض نمطًا جديدًا من التعاون الأمني يقوم على تلاقي المصالح لا على تطابق المواقف.

تمتلك مصر عمقًا جغرافيًا ومؤسسيًا وخبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية المعقدة، فيما تمتلك تركيا أدوات عسكرية وصناعية متقدمة، وتمثل السعودية ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا مؤثرًا، بينما تضيف باكستان بُعدًا استراتيجيًا عسكريًا لا يمكن تجاهله. هذا الإطار الإقليمي لا يُبنى لمواجهة طرف بعينه، بل لإعادة ضبط ميزان الاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل فراغًا أمنيًا أو مقاربات أحادية قصيرة النظر.

أما في شرق المتوسط، فإن التعاون المصري–التركي في مجال النفط والغاز لم يعد خيارًا نظريًا، بل بات ضرورة تفرضها معادلات الطاقة العالمية. فالمنطقة، التي كانت ساحة تنافس حاد خلال السنوات الماضية، تتحول تدريجيًا إلى مساحة لإعادة تعريف المصالح، في ظل تغير خرائط الطلب العالمي وتراجع الاستقرار في مصادر الطاقة التقليدية.

تمتلك مصر بنية تحتية متقدمة في مجال إسالة الغاز وشبكات التصدير، بينما تتمتع تركيا بموقع جغرافي يجعلها معبرًا طبيعيًا للطاقة إلى أوروبا. هذا التكامل، إذا ما أُدير ببراغماتية وحوكمة رشيدة، قادر على تحويل شرق المتوسط من ساحة نزاع إلى منصة طاقة إقليمية تخدم مصالح المنتجين والمستهلكين معًا.

وفي ظل الضغوط المتزايدة على أسواق الطاقة الأوروبية، وسعي أوروبا الحثيث لتنويع مصادر الإمداد وتقليل المخاطر الجيوسياسية، يكتسب أي تعاون مصري–تركي في شرق المتوسط بُعدًا اقتصاديًا يتجاوز الإقليم، ليصبح جزءًا من معادلة أمن الطاقة الأوروبية، بما يعزز من القيمة التفاوضية للدول الشريكة، ويعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة نحو القارة العجوز.

وعلى الصعيد الصناعي، ورغم التنافسية الواضحة بين الهياكل الصناعية المصرية والتركية، فإن الواقع الاقتصادي يفرض قراءة أكثر هدوءًا وأقل انفعالًا. فارتفاع تكاليف الإنتاج في تركيا، نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف العمالة، يجعل من مصر وجهة استثمارية جذابة للصناعيين الأتراك الساعين إلى الحفاظ على قدرتهم التنافسية في الأسواق العالمية .

مصر، بما تمتلكه من تكلفة إنتاج أقل، وعمالة شابة قابلة للتدريب، واتفاقيات تجارة حرة تفتح أسواقًا إفريقية وعربية واسعة، تتحول تدريجيًا من مجرد سوق استهلاكي إلى قاعدة إنتاج بديلة. وهنا لا يقتصر الحديث على نقل مصانع، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شراكات صناعية ذكية توظّف الخبرة التركية والميزة التنافسية المصرية، في نموذج يعزز من قدرات التصدير الإقليمي بدلًا من تعميق الاعتماد على الاستيراد.

وفي الختام، لا يمكن إغفال حكمة القيادة السياسية في مصر في إدارتها لمرحلة التوتر مع تركيا، حيث غلّبت منطق الدولة على انفعالات اللحظة، وتعاملت مع الأزمة بقدر عالٍ من التعقل وضبط النفس. هذا النهج، القائم على عدم حرق الجسور والإبقاء على مساحات للحركة، هو ما أتاح اليوم إعادة فتح قنوات التعاون من موقع قوة، لا من موقع تنازل.

فالدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لا تُدار بعقلية القطيعة الدائمة، بل تحتفظ بهوامش للمراجعة والتصحيح، وتُدرك أن المصالح المتغيرة تفرض مقاربات أكثر هدوءًا وأبعد نظرًا. وهكذا، تثبت التجربة أن إدارة الأزمات بحكمة لا تعالج الحاضر فحسب، بل تصنع فرص للمستقبل .

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار