مجد الدين المنزلاوي لـ«القرار المصري»: مصر تملك كل مقومات الانطلاق..وما ينقصنا هو تسريع الاستثمار لزيادة الإنتاج والتصدير
قد تختلف الأفكار وتتباين الاجتهادات، لكن الجميع يجتمع حول هدف واحد: أن تصبح مصر قوة اقتصادية وصناعية كبرى قادرة على تحقيق التنمية الشاملة وتوفير حياة أفضل لمواطنيها.
في هذا الحوار، يفتح المهندس مجد الدين المنزلاوي، الأمين العام لجمعية رجال الأعمال المصريين، ورئيس لجنة الصناعة بالجمعية، ورئيس اللجنة المنظمة لمؤتمر المثلث الذهبي، ملفات الاستثمار والصناعة والتصدير والطاقة والأراضي الصناعية، ويطرح رؤية متكاملة لكيفية تحويل المزايا التنافسية التي تمتلكها مصر إلى معدلات نمو وإنتاج وتصدير قادرة على تغيير شكل الاقتصاد الوطني.
■ بداية.. كيف ترون الطريق الأسرع لتحقيق طفرة اقتصادية حقيقية؟
المعادلة ببساطة شديدة هي: استثمار أكبر يساوي إنتاجًا أكبر، وإنتاج أكبر يساوي صادرات أكبر.
المشكلة الأساسية في الاقتصاد المصري ليست في نقص الفرص، وإنما في أن حجم الواردات لا يزال أكبر من حجم الصادرات. وإذا نجحنا في تضييق هذه الفجوة سنحقق استقرارًا اقتصاديًا ونقديًا كبيرًا.
لدينا مقومات قوية للغاية؛ سوق ضخم، وعمالة مدربة، وموقع جغرافي فريد يربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. كما أن تكلفة العمالة في مصر ما زالت تمنح المستثمر ميزة تنافسية مهمة مقارنة بعدد من الأسواق العالمية.
■ وما أبرز المزايا التي تجعل مصر وجهة جاذبة للاستثمار الصناعي؟
العالم كله يعيد النظر في سلاسل الإمداد بعد الأزمات العالمية التي شهدناها خلال السنوات الأخيرة، سواء خلال جائحة كورونا أو التوترات الجيوسياسية والحروب.
هذه التطورات كشفت أهمية وجود مراكز إنتاج قريبة من الأسواق الرئيسية، وهنا تبرز مصر كخيار استراتيجي مهم بفضل موقعها الجغرافي وشبكة الموانئ والبنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية.
لقد قطعت الدولة شوطًا كبيرًا في تطوير الطرق والكباري والسكك الحديدية والموانئ وتوفير الكهرباء، وهي عناصر أساسية لجذب الاستثمارات الصناعية.
■ وما التحديات التي لا تزال تواجه المستثمر الصناعي؟
هناك ثلاثة ملفات رئيسية: سرعة الإفراج الجمركي، وتوفير الأراضي الصناعية المرفقة، وتكلفة التمويل.
الحكومة ووزارة المالية ومصلحة الجمارك تبذل جهودًا كبيرة في الرقمنة وتقليل زمن الإفراج الجمركي، لكننا نحتاج إلى مزيد من التطوير المستمر.
أما الأراضي الصناعية فما زال الطلب عليها مرتفعًا مقارنة بالمعروض، وندعو إلى التوسع في إشراك المطورين الصناعيين لتوفير أراضٍ مرفقة وجاهزة للمستثمرين.
■ تحدثتم كثيرًا عن ملف الطاقة.. لماذا يمثل أولوية؟
لأن الصناعة لا تنمو دون طاقة مستقرة ومستدامة.
لدينا توجه قوي نحو الطاقة الجديدة والمتجددة، سواء من خلال المحطات المركزية الكبرى أو من خلال توليد الطاقة في مواقع الإنتاج نفسها، وهو الاتجاه الذي يحقق كفاءة أكبر ويخفف الضغط على الشبكات.
كما أن توجه الدولة نحو تخزين الطاقة ورفع مساهمة الطاقة المتجددة يمثل خطوة مهمة لدعم النمو الصناعي خلال السنوات المقبلة.
■ وماذا عن المصانع المتعثرة؟
أنا أعتبر المصانع المغلقة مثل الأراضي الزراعية التي يتم تبويرها.
لدينا أصول صناعية قائمة يجب الحفاظ عليها وإعادتها للإنتاج. لذلك نقترح إنشاء آلية أو صندوق متخصص لدراسة أوضاع المصانع المتعثرة وتمويل إعادة تشغيلها من خلال الشراكات أو إعادة الهيكلة أو حلول الإدارة المشتركة.
إعادة تشغيل مصنع قائم في كثير من الأحيان أسرع وأقل تكلفة من إنشاء مصنع جديد.
■ وكيف يمكن زيادة الصادرات المصرية بصورة كبيرة؟
يجب دعم الصناعة المحلية وتمكينها من المنافسة.
نحتاج إلى تفعيل حقيقي لتفضيل المنتج المحلي في المشتريات الحكومية، وإلى تشجيع الصناعات المغذية وربط المشروعات الصغيرة بالمصانع الكبرى، كما فعلت تجارب صناعية عالمية ناجحة.
كذلك لا يمكن الحديث عن مضاعفة الصادرات دون معالجة تكلفة التمويل. الصناعة لا تستطيع تحمل أسعار فائدة مرتفعة إذا كنا نريد منها التوسع وزيادة الإنتاج.
■ ما الرسالة الأخيرة التي تود توجيهها؟
إذا أردنا الوصول بالصادرات المصرية إلى مستويات غير مسبوقة، فعلينا أن ننظر إلى الصناعة باعتبارها مشروعًا قوميًا.
مصر تمتلك الموقع والعمالة والبنية الأساسية والطاقة والأسواق. وما نحتاجه الآن هو استمرار تحفيز الاستثمار وتوفير التمويل المناسب وتذليل العقبات أمام المنتجين.
عندما تعمل المصانع بكامل طاقتها، وتنتقل من وردية إلى ورديتين وثلاث ورديات، سنرى اقتصادًا مختلفًا، وصادرات أكبر، وفرص عمل أكثر، ومستقبلًا يليق بمكانة مصر وإمكانياتها
ويمكن القول أن أهم التوصيات لزيادة الصادرات المصرية بشكل غير مسبوق تتمثل فيما يلى:
1- نحتاج إلى معاملة تفضيلية للصناعة المصرية كما تفعل كل دول العالم
العالم لا يترك صناعته تواجه المنافسة وحدها، فجميع الدول الكبرى تمنح صناعاتها الوطنية مزايا وحوافز مباشرة وغير مباشرة، وتدعم صادراتها للوصول إلى الأسواق الخارجية.
في مصر ما زالت الصناعة تتحمل أعباءً وتكاليف لا يتحملها المنافسون القادمون من بعض الدول المرتبطة معنا باتفاقيات تجارية، سواء في الأسواق العربية أو الأفريقية أو الأوروبية، ولذلك فإن الصناعة المصرية تحتاج إلى معاملة تفضيلية حقيقية تمكنها من المنافسة وزيادة الإنتاج والتصدير.
2- تفعيل تفضيل المنتج المحلي ضرورة اقتصادية لا رفاهية تشريعية
لدينا تشريعات وقرارات مهمة تدعم المنتج المحلي، لكن المطلوب هو التطبيق الكامل والفعال لقرار مجلس الوزراء الخاص بتفضيل المنتج المصري.
عندما نمنح الصناعة الوطنية أولوية عادلة في المشتريات الحكومية، فإننا نقلل الواردات، ونرفع نسب التشغيل، ونزيد الاستثمارات، ونخلق فرص عمل جديدة، وفي الوقت نفسه نرفع قدرة المصانع على التصدير.
3- إعادة النظر في تكلفة الإقراض أصبحت ضرورة إنتاجية
إذا كنا نطالب المستثمر بالتوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية وفتح أسواق تصديرية جديدة، فلا بد من توفير تمويل يتناسب مع طبيعة الصناعة.
الصناعة لا تستطيع تحمل تكلفة تمويل مرتفعة إذا كنا نستهدف مضاعفة الصادرات. لذلك فإن إعادة النظر في تكلفة الإقراض للقطاع الصناعي تعد من أهم الأدوات الداعمة للنمو والإنتاج والتشغيل.
4- المصانع المتعثرة ثروة معطلة وليست مشكلة مزمنة
من أهم توصياتنا إيجاد آلية سريعة لمعالجة أوضاع المصانع المتعثرة وإعادتها إلى دائرة الإنتاج.
هذه المصانع تمتلك أراضي ومبانٍ وخطوط إنتاج وخبرات بشرية، وإعادتها للعمل أسرع وأقل تكلفة من إنشاء مصانع جديدة. ولذلك نقترح حلولاً تمويلية وإدارية وشراكات استثمارية تعيد تشغيل هذه الأصول الاقتصادية المهمة.
5- مصر تحتاج إلى استراتيجية صناعية تحدد الأولويات بوضوح
لا يمكن تحقيق طفرة تصديرية دون استراتيجية صناعية واضحة تحدد القطاعات ذات الأولوية والقادرة على تحقيق أعلى قيمة مضافة وأكبر عائد من العملة الأجنبية.
نحتاج إلى خريطة صناعية متكاملة تربط بين الموارد المحلية والفرص التصديرية والأسواق المستهدفة، بحيث تتوجه الاستثمارات نحو الصناعات الأكثر قدرة على المنافسة عالمياً.
وأخيراً.. الرسالة الأهم
لدينا كل المقومات التي تؤهل مصر لتكون مركزاً صناعياً وتصديرياً إقليمياً: موقع جغرافي فريد، وبنية تحتية متطورة، وطاقة متاحة، وعمالة تنافسية، وأسواق ضخمة.
وإذا نجحنا في تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية؛ زيادة الاستثمار، ودعم الصناعة، وتعظيم الصادرات، فإننا سنتمكن من تقليص الواردات، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز قوة الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة

