بعد كل هذا الدم، والخراب، والمليارات التي أُحرقت، والاقتصاد العالمي الذي تلقى ضربة وراء أخرى، خرجوا علينا بالإنجاز العظيم:
لقد فتحوا مضيق هرمز!
مبروك يا جماعة!
لكن عندي سؤال صغير جدًا، قد يكون محرجًا قليلًا:
ومن الذي أغلقه أصلًا؟!
مضيق هرمز ليس بابًا حديديًا له مفتاح في جيب أحد، ولا كوبري يحتاج إلى مهندس ليرفعه، ولا قناة صناعية تنتظر قرارًا عسكريًا حتى تبدأ العمل.
إنه مضيق طبيعي استخدمته السفن والتجارة منذ آلاف السنين.
ومع ذلك، يمكن أن تخوض حربًا، وتدفع المليارات، وتقتل الآلاف، وتدمر مدنًا وأراضي، وتربك أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ثم تقف أمام الكاميرات لتعلن بكل فخر:
«لقد فتحنا المضيق!»
وكأنهم اخترعوا البحر!
هذه هي العبقرية السياسية في أكثر صورها عبثية:
أن تصنع الأزمة، ثم تعتبر التخلص من جزء منها إنجازًا تاريخيًا.
أن تغلق الطريق، ثم تحتفل عندما تسمح للسفن بالمرور!
أن تضرب الاقتصاد، ثم تقدم نفسك للعالم باعتبارك المنقذ!
والأكثر إثارة للسخرية أن فاتورة هذا الاستعراض لا يدفعها صانع القرار وحده.
يدفعها المواطن.
وتدفعها الشركات.
ويدفعها المستهلك.
وتدفعها الدول.
وتدفعها سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والشحن والتأمين.
وفي النهاية، يدفع العالم كله ثمن معركة لا يعرف لماذا بدأت، ولا متى تنتهي، ولا من سيحصل على فاتورتها الأخيرة.
لكن.. أين مصر من كل ذلك؟
هنا يجب أن نتوقف عن متابعة المشهد باعتباره مجرد صراع جيوسياسي، وننظر إليه بعين الاقتصاد.
كل اضطراب في ممرات التجارة العالمية يجب أن يتحول بالنسبة لمصر إلى سؤال واحد: ماذا يمكن أن نكسب؟
مصر لا تحتاج إلى اختراع مضيق جديد.
لدينا قناة السويس.
لدينا موقع جغرافي لا يحتاج إلى دعاية.
لدينا البحر المتوسط والبحر الأحمر.
لدينا موانئ.
ولدينا المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولدينا فرصة لأن تصبح مصر محطة رئيسية في حركة التجارة العالمية، ليس فقط من خلال تحصيل رسوم عبور السفن، وإنما من خلال منظومة كاملة من الخدمات والصناعة واللوجستيات والتخزين وإعادة التصدير وتموين السفن وصيانتها.
وهنا تحديدًا يجب أن يتغير التفكير.
قناة السويس ليست مجرد قناة.
القناة يمكن أن تكون قلبًا لمنظومة اقتصادية ضخمة.
السفينة التي تمر أمامنا يجب ألا تكون مجرد رقم في دفتر الإيرادات.
ماذا تحمل؟
أين يمكن تخزين بضائعها؟
ما الذي يمكن تصنيعه أو تجميعه في مصر؟
هل يمكن إعادة تصديره؟
ما الخدمات التي يمكن تقديمها لها؟
هل يمكن تموينها وصيانتها؟
هل يمكن أن تصبح المنطقة الاقتصادية مركزًا للصناعات المرتبطة بالتجارة العالمية؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغلنا.
لأن العالم عندما يضطرب، لا يبحث فقط عن أرخص طريق.
يبحث عن الطريق الآمن، المستقر، السريع، والقادر على تقديم خدمات متكاملة.
وهذه بالضبط هي الفرصة المصرية.
فبدلًا من أن ندخل في سباق الصراخ السياسي، علينا أن ندخل في سباق الجاهزية الاقتصادية.
العالم يدفع ثمن الفوضى.. ومصر يجب أن تستفيد من الاستقرار
هناك فرق هائل بين دولة تستخدم موقعها الجغرافي لتهديد التجارة، ودولة تستخدم موقعها الجغرافي لخدمة التجارة.
الأولى تستطيع أن تصنع أزمة.
أما الثانية فتستطيع أن تصنع اقتصادًا.
والتاريخ الاقتصادي لا يكافئ دائمًا من يملك القوة الأكبر، وإنما يكافئ كثيرًا من يملك الطريق الأكثر أهمية والأكثر أمانًا والأكثر كفاءة.
ولهذا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل من القاهرة ليست:
«نحن نراقب ما يحدث في هرمز».
بل:
«نحن جاهزون لاستقبال التجارة العالمية.»
جاهزون بالموانئ.
جاهزون باللوجستيات.
جاهزون بالتخزين.
جاهزون بالصناعة.
جاهزون بإعادة التصدير.
وجاهزون قبل أن يبحث العالم عن البديل.
أما حكاية «فتح مضيق هرمز» بعد أن تم إنفاق المليارات وإراقة الدماء وتدمير الاقتصاد، فهي تصلح عنوانًا ساخرًا أكثر مما تصلح إنجازًا يُحتفل به.
فالماء كان هناك قبلهم، والمضيق كان هناك قبلهم، والسفن كانت تعبره قبلهم.
لكن يبدو أن بعضهم اكتشف أخيرًا أن أعظم إنجازاته…
أن يعيد البحر إلى البحر!
وهنا فقط يمكن أن نفهم الفرق بين من يصنع الحرب ليثبت قوته، ومن يصنع الاقتصاد ليثبت قدرته.
الأول يفتح مضيقًا كان مفتوحًا منذ آلاف السنين..
والثاني يفتح أبواب المستقبل أمام بلده.
والاختيار لمصر واضح.
نحن لا نحتاج إلى إغلاق ممرات العالم.. نحتاج فقط إلى أن نكون أفضل من يفتح له الطريق.

