لا تكمن مشكلة ارتفاع الأسعار في تحركها صعودًا بقدر ما تكمن في الفارق بين نمو تكاليف الإنتاج ونمو أسعار البيع.
فإذا ارتفعت تكلفة مدخلات إنتاج سلعة بنسبة 10%، ثم ارتفع سعر بيعها للمستهلك بنسبة 30% أو 50%، فهنا يجب طرح سؤال اقتصادي واضح: ما العوامل التي تفسر هذا الفارق؟
تتأثر أسعار السلع بتكلفة الخامات والطاقة والنقل والتمويل والأجور، إضافة إلى تكاليف التخزين والتوزيع وهوامش الربح عبر حلقات سلسلة الإمداد. وبالتالي فإن أي زيادة في سعر البيع يجب أن تستند إلى تغير فعلي في هيكل التكلفة أو هوامش التداول.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول زيادة محدودة في أحد بنود التكلفة إلى مبرر لرفع سعر المنتج النهائي بأكثر من الزيادة الفعلية في التكلفة، بما يؤدي إلى انتقال العبء بالكامل إلى المستهلك.
وهنا يظهر المستهلك باعتباره الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة؛ فهو يتحمل السعر النهائي، بينما لا تتوافر له عادةً بيانات كافية عن تكلفة المنتج أو هوامش الموزعين وتجار الجملة والتجزئة.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأجهزة المعنية، ليس من خلال فرض أسعار إدارية على السوق، وإنما من خلال ضمان المنافسة ومنع الاحتكار والتواطؤ واستغلال القوة السوقية، والتحقق من الالتزام بقواعد الإعلان عن الأسعار وحماية المستهلك.
فإذا ارتفعت التكلفة بنسبة 10%، ثم ارتفع سعر البيع بنسبة 30% أو 50%، فمن حق السوق أن يعرف: هل الزيادة ناتجة عن ارتفاعات إضافية في عناصر التكلفة؟ أم عن زيادة في هوامش الربح؟ أم عن اختلال في المنافسة؟
وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع جميع المنتجين والتجار باعتبارهم سببًا واحدًا لارتفاع الأسعار؛ فبعضهم يواجه بالفعل زيادات في تكاليف التشغيل وسلاسل الإمداد، بينما قد يستفيد آخرون من ضعف المنافسة أو نقص المعروض لزيادة هوامشهم.
المطلوب هو آلية سوق أكثر شفافية، تسمح بمرور الزيادة الحقيقية في التكلفة إلى السعر، وفي الوقت نفسه تمنع تمرير زيادات لا تستند إلى مبررات اقتصادية واضحة.
فالسوق الحر لا يعني غياب الرقابة، والرقابة الفعالة لا تعني التسعير الجبري.
والسؤال الأهم في النهاية ليس فقط: لماذا ارتفع السعر؟
بل: ما الذي يفسر الفارق بين زيادة التكلفة وزيادة سعر البيع؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفارق عندما يتجاوز مبرراته الاقتصادية؟
