خاص| خبير اقتصادي: تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.. وضعف القوة الشرائية وراء تباطؤ الزيادة
قال مدحت الشريف، خبير الأمن القومي والخبير الاقتصادي ووكيل اللجنة الاقتصادية الأسبق بمجلس النواب، إن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض أسعار السلع والخدمات، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها، محذرًا من الخلط بين المفهومين عند تقييم الأوضاع الاقتصادية ومستويات المعيشة.
وأوضح الشريف في تصريح خاص لـ”القرار المصري”، أن معدل التضخم سجل 14.1% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.9% في الشهر السابق، بما يعني تراجع معدل الزيادة في الأسعار، وليس انخفاضها، مؤكدًا أن الأسعار لا تزال ترتفع، وإن كان معدل ارتفاعها قد تباطأ مقارنة بالشهر السابق.
وأضاف أن هذا الفارق مهم لفهم المؤشرات الاقتصادية، إذ إن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتأثر دخول الأسر بموجات زيادة الأسعار السابقة.

التضخم العام والأساسي.. ما الفرق بينهما؟
وأشار الشريف إلى وجود اختلاف بين معدل التضخم العام الذي يعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ومعدل التضخم الأساسي الذي يعلنه البنك المركزي المصري، موضحًا أن التضخم العام يشمل نطاقًا واسعًا من السلع والخدمات، من بينها المواد الغذائية كالخضراوات والفاكهة واللحوم، إلى جانب الخدمات والسلع التي تتحدد أسعارها إداريًا، مثل الوقود والكهرباء والمياه والغاز.
ويستبعد التضخم الأساسي بعض السلع التي تتسم أسعارها بالتقلبات الحادة، فضلًا عن السلع والخدمات التي تحدد أسعارها إداريًا، بهدف تقديم صورة أكثر وضوحًا عن الاتجاهات الأساسية للتضخم بعيدًا عن التغيرات المؤقتة أو الاستثنائية.
وأكد أن الاعتماد على معدل التضخم الأساسي وحده لا يكفي لتقييم الأعباء التي يتحملها المواطن، لأن إنفاق الأسر المصرية يتركز بدرجة كبيرة على الغذاء والسكن والاحتياجات الأساسية، وهي بنود تتأثر بصورة مباشرة بالتغيرات السعرية.
ضعف القوة الشرائية
ورأى الشريف أن تراجع وتيرة الزيادة في الأسعار لا يرجع بالضرورة إلى نجاح السياسة النقدية وحدها في السيطرة على التضخم، معتبرًا أن ضعف القوة الشرائية للمواطنين يمثل أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التباطؤ.
وأوضح أن الارتفاعات السعرية السابقة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وتآكل الطبقة المتوسطة، أدت إلى تراجع قدرة المواطنين على الشراء، وهو ما يحد من الطلب على السلع والخدمات ويؤثر في حركة الأسواق.
وأضاف أن الرسائل المتكررة بشأن ضرورة ترشيد الإنفاق، والتحذيرات من صعوبة الأوضاع الاقتصادية المقبلة، قد تدفع بعض الأسر إلى تقليل مصروفاتها أو تأجيل قرارات الشراء، حتى لدى من يمتلكون مدخرات محدودة، بما ينعكس على مستويات الاستهلاك.
وأشار إلى أن هذا العامل يسهم، من وجهة نظره، في تباطؤ الزيادة في الأسعار، لكنه قد يحمل في الوقت نفسه تداعيات سلبية على النشاط الاقتصادي، مع تراجع الطلب على المنتجات المحلية.
وحذر الشريف من أن استمرار ضعف الإنفاق قد يؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي، نتيجة انخفاض الطلب على إنتاج المصانع والشركات.
ولفت إلى تقارير إعلامية غير رسمية تحدثت عن اتجاه بعض مصانع الأجهزة الكهربائية والسلع المنزلية إلى الاستغناء عن عمالة، مع التأكيد على أن هذه التقارير ليست بيانات رسمية.
وأضاف أن تراجع القوة الشرائية واستمرار الضغوط على الطبقة المتوسطة لا يقتصر تأثيرهما على مستوى معيشة المواطنين، بل يمتد إلى معدلات الإنتاج والتشغيل، بما قد يخلق تحديات إضافية أمام الاقتصاد المصري.

ارتفاعات شهرية لا تزال قائمة
ولفت الشريف إلى أن قراءة المؤشرات التفصيلية للتضخم تظل ضرورية، إذ قد يسجل المعدل العام تراجعًا، بينما تستمر أسعار بعض السلع والخدمات في الارتفاع، وهو ما يستدعي النظر إلى مكونات المؤشر بدلًا من الاكتفاء بالرقم الإجمالي.
وأشار إلى أن استقرار أسعار الفائدة لفترة طويلة، رغم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأخير برفع الفائدة 25 نقطة أساس، يمثل أمرًا إيجابيًا من وجهة نظره، خاصة أن عددًا من الدول، بينها دول خليجية، اتجه إلى رفع أسعار الفائدة، بينما لم يتخذ البنك المركزي المصري الخطوة نفسها وفقًا لما ذكره.
لكنه شدد على أن تقييم السياسة النقدية لا ينبغي أن ينفصل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك مستويات الطلب والاستهلاك وتأثير أسعار الفائدة في الاستثمار والإنتاج.
مدحت الشريف: خفض الدين العام يحتاج إلى رؤية اقتصادية مستقلة
وانتقد الشريف ما وصفه ببطء مستهدفات خفض الدين العام، مشيرًا إلى تصريحات منسوبة إلى وزير المالية أحمد كجوك بشأن استهداف خفض الدين( الخارجي) سنويًا بمقدار يتراوح بين مليار و٢مليار ( دولار )
واعتبر أن هذه الأرقام، إذا استمر العمل بها وفق المعدلات المشار إليها، تعكس بطئًا شديدًا في معالجة ملف الدين، موضحًا أن الحسابات التي طرحها تشير إلى الحاجة لنحو 164 عامًا عند خفض الدين الخارجي بمليار دولار سنويًا، أو نحو ٨٢ عامًا عند خفضه ب ٢ مليار ( دولار) سنويًا، للوصول إلى مرحلة سداد الدين الخارجي وفق تقديره.
وأكد أن المقصود ليس بالضرورة سداد الدين العام بالكامل، إذ لا تتجه الدول عادة إلى تصفية ديونها بصورة كاملة، وإنما الحاجة إلى مسار أكثر فاعلية واستدامة لإدارة الدين وخفض أعبائه.
ودعا إلى الاستعانة بمجموعة من الخبراء الاقتصاديين المستقلين لوضع رؤية متكاملة لمعالجة الأزمات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية طُرحت بمسميات مختلفة، منها «لجنة إنقاذ وطني» أو «لجنة إصلاح اقتصادي» أو «تعديل مسار اقتصادي»، لكن الأهم، بحسب قوله، هو مضمونها وقدرتها على تقديم حلول عملية.
وشدد الشريف على ضرورة أن تضم هذه المجموعة خبراء مستقلين غير مرتبطين بمصالح خاصة، وأن تتمتع بالصلاحيات اللازمة لتنفيذ مقترحاتها، مع ضمان استقلالية قراراتها وعدم خضوعها لتأثيرات أو ارتباطات قد تتعارض مع المصلحة الوطنية.
واختتم بالتأكيد على أن وضع مسار اقتصادي واضح لمعالجة الدين العام والضغوط المعيشية أصبح ضرورة، في ظل تأثير هذه التحديات على المواطنين وما قد تفرضه من مخاطر على الاستقرار الاقتصادي والأمن القومي المصري.

