لا تتوقف حماية الاستثمارات الصناعية عند توفير التمويل وشراء المعدات وتطوير خطوط الإنتاج، بل تمتد إلى تأمين الأصول من المخاطر التشغيلية والبيئية، وتطبيق إجراءات الوقاية التي تحد من الحوادث وتضمن استمرار النشاط الإنتاجي.
وبرز التكامل بين التأمين وإدارة المخاطر باعتباره أحد العوامل الداعمة لاستدامة المصانع وحماية رؤوس الأموال وتعزيز قدرة الصناعة المصرية على مواجهة الأزمات.
وتأتي دعوة الدكتور محمد سعد الدين، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، إلى تعزيز الوعي التأميني داخل القطاع الصناعي، لتسلط الضوء على أهمية الانتقال من التعامل مع التأمين باعتباره وسيلة للتعويض بعد وقوع الخسائر، إلى منظومة متكاملة تبدأ بتحديد المخاطر المحتملة، وتمر بتطبيق اشتراطات الأمن الصناعي والسلامة، وتنتهي بالاستعداد للطوارئ وضمان سرعة استعادة النشاط عند وقوع الحوادث.
وتزداد أهمية هذه المنظومة في ظل تعدد المخاطر التي تواجه المنشآت الصناعية، من الحرائق والأعطال التشغيلية إلى الحوادث التي قد ينتج عنها تسرب مواد ضارة أو انبعاثات تؤثر على العاملين والبيئة المحيطة، بما يجعل الوقاية ضرورة لحماية الأصول البشرية والمادية معًا.
نمو سوق التأمين
وتكشف بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن تنامي حجم سوق التأمين المصرية، إذ ارتفعت قيمة الأقساط التأمينية إلى 130.8 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مقابل 106.7 مليار جنيه بنهاية 2024، بمعدل نمو بلغ 22.5%.
كما سجلت التعويضات التي سددتها شركات التأمين 64.4 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 46.6 مليار جنيه في العام السابق، بزيادة 38.2%.
وتعكس هذه الأرقام اتساع النشاط التأميني في مصر، لكنها لا تعني أن جميع الأقساط أو التعويضات مرتبطة بالقطاع الصناعي وحده؛ إذ تشمل البيانات أنشطة تأمينية متعددة.
ومع ذلك، تبرز أهمية تأمين الممتلكات والمسؤوليات، الذي يغطي أصولًا مادية من بينها المنشآت والمخازن والمعدات والبضائع، بحسب طبيعة الوثيقة وشروط التغطية.
وعلى المستوى العالمي، تكشف تقديرات شركة ميونيخ ري لإعادة التأمين عن حجم الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها الأصول نتيجة الكوارث، إذ بلغت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية نحو 224 مليار دولار خلال عام 2025، تحملت شركات التأمين منها قرابة 108 مليارات دولار.
وتجاوزت الخسائر المؤمن عليها الناجمة عن حرائق الغابات والفيضانات والعواصف الشديدة 98 مليار دولار، ما يوضح حجم المخاطر التي قد تواجه الاستثمارات والأصول في غياب التغطية التأمينية المناسبة.
ورغم أن هذه الأرقام تشمل الكوارث الطبيعية بمختلف أنواعها ولا تقتصر على المنشآت الصناعية، فإنها توضح أهمية وجود آليات مالية للتعامل مع الخسائر الكبيرة، خاصة عندما تتسبب الحوادث في تلف الأصول أو تعطل العمليات أو الحاجة إلى تمويل أعمال الإصلاح وإعادة التشغيل.
الوقاية تقلل الخسائر
ولا تنتهي منظومة حماية الاستثمارات عند شراء وثيقة التأمين، إذ تظل الوقاية وإدارة المخاطر عنصرين أساسيين لتقليل احتمالات وقوع الحوادث وحجم الأضرار الناتجة عنها.
فالصيانة الدورية للمعدات، ومراجعة التوصيلات الكهربائية، وتوفير أنظمة الإنذار والإطفاء، وتأمين المواد القابلة للاشتعال، وتدريب العاملين على التعامل مع الطوارئ، كلها إجراءات يمكن أن تحد من المخاطر التي تهدد المنشآت.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات عند النظر إلى الكلفة الاقتصادية للحوادث المهنية. وتقدر منظمة العمل الدولية أن حوادث العمل والأمراض المرتبطة به تتسبب في خسارة تقارب 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويًا، نتيجة التكاليف المباشرة وغير المباشرة، بما يشمل الإصابات والأمراض وفقدان الإنتاجية وتكاليف التعويضات.
ولا تقتصر آثار الحوادث الصناعية على الأضرار التي تلحق بالمعدات والمباني، بل قد تمتد إلى توقف خطوط الإنتاج وتأخر تسليم الطلبات وارتفاع تكاليف التشغيل، فضلًا عن الأضرار التي يمكن أن تصيب العاملين أو البيئة المحيطة.
وفي بعض الحالات، قد تتحول الخسائر التشغيلية إلى ضغوط مالية تهدد قدرة المنشأة على مواصلة نشاطها.
ومن هنا، تبرز أهمية إجراء تقييمات دورية للمخاطر داخل المصانع، وتحديد مصادر الخطر وفق طبيعة كل نشاط، ووضع خطط واضحة للاستجابة للطوارئ، إلى جانب مراجعة التغطيات التأمينية للتأكد من ملاءمتها لقيمة الأصول وطبيعة المخاطر المحتملة.
التعاون بين شركات التأمين والمصنعين
وشدد الدكتور محمد سعد الدين على ضرورة تعزيز التعاون بين شركات التأمين والمصنعين والمتخصصين في إدارة المخاطر، بهدف إعداد خطط متكاملة لحماية المنشآت الصناعية، وتحديد المخاطر المحتملة بدقة، وتقديم التوصيات الفنية اللازمة لتجنب الحوادث أو الحد من آثارها حال وقوعها.
وتتيح هذه الشراكة، عند تطبيقها بصورة فعالة، ربط التغطية التأمينية بإجراءات السلامة داخل المصنع، بحيث لا يقتصر التعامل مع المخاطر على تحديد قيمة التعويض المحتمل، بل يشمل أيضًا تقييم مستوى الوقاية والاستعداد لمواجهة الطوارئ.
كما تتطلب حماية الاستثمارات الصناعية مراعاة المخاطر البيئية، خاصة في المنشآت التي تتعامل مع مواد كيميائية أو مكونات قد يؤدي تسربها إلى الإضرار بالصحة العامة أو تلويث البيئة.
ويستلزم ذلك توفير وسائل احتواء التسربات، وخطط الإخلاء والاستجابة للحوادث، والتأكد من توافر التغطيات التأمينية الملائمة لطبيعة النشاط والمسؤوليات المحتملة.
استراتيجية استدامة الصناعة
وأكد سعد الدين أهمية نشر الثقافة التأمينية بين أصحاب المصانع والشركات، وتشجيع المنشآت على الاستفادة من الخبرات الفنية التي توفرها شركات التأمين والمتخصصون في تقييم المخاطر وإدارتها، بما يساعد على رفع مستوى الجاهزية وتقليل الخسائر المحتملة.
ويعني ذلك أن حماية الاستثمار الصناعي تتطلب الجمع بين ثلاثة مسارات متكاملة: الوقاية لتقليل احتمالات وقوع الحوادث، والتأمين للمساعدة في مواجهة الخسائر المالية المغطاة عند تحقق المخاطر، وخطط استمرارية الأعمال لضمان استعادة الإنتاج في أسرع وقت ممكن.
ويظل نجاح هذه المنظومة مرتبطًا بمدى التزام المنشآت بمعايير الأمن الصناعي والسلامة، وملاءمة وثائق التأمين لاحتياجاتها الفعلية، ووجود آليات واضحة للتعامل مع الطوارئ. فكلما ارتفعت قدرة المصانع على توقع المخاطر والاستعداد لها، زادت فرص حماية أصولها والحفاظ على انتظام الإنتاج وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية.

