رأي

خالد عبدالعزيز يكتب جلَّابية العيب

على قدر ما أعلم فإن السنيما المصرية لم تتطرَّق على مدار تاريخها بشكل مباشر إلى دور المؤسسة الدينية وتأثيرها فى حياة المصريين بصفة عامة. إلّا أننى كلّما أشاهد الفيلم المتميز “شىء من الخوف” الذى أُنتِجَ عام ١٩٦٩ للمخرج الجرىء حسين كمال عن قصة الأديب الكبير ثروت أباظة، أتلقّى مواقف وكلمات الشيخ “براهيم” الذى أدَّى دوره بإمتياز الفنان القدير يحيى شاهين وكأنها مواقف وتصريحات وإهتمام وإمتناع المؤسسة الدينية التى قد تصل أحياناً إلى مستوى البيان للناس، وهو مجرد تقدير ورأى شخصى لا يستند إلى معلومات أو وثائق ولكننى وبحكم الطبيعة البشرية أحاول أن أنتصر له .

ففى أحد مشاهد الفيلم إستشارت “فؤادة” -التى يعتقد البعض أنها ترمز إلى مصر – فى كيفية مواجهة ظلم وجبروت “عتريس” فأجابها الشيخ “براهيم” برقة وأدب جم أن هذا من أمور الناس وحدهم وعليهم أن يغيِّروا ما بأنفسهم حتى يغيِّر الله ما بهم مما يعنى أن المؤسسة لا تنخرط فى الشأن السياسى.

وفى مشهد كان إبداع يحيى شاهين فيه عظيماً وبوجه سامح بشوش آثر اللين وحقن الدماء وتنازل فيه عن حقه “الشخصى” الثابت عندما أمر إبنه أن يترك البدء برىّ الأرض لجاره قائلاً ” يا محمود يا إبنى إكسب جار ولا ١٠٠فدّان” وأعطى درساً بُهِتَ له وإستوعبه فوراً الجار الذى حكمت طبيعة أعراف وأخلاق القرية نشأته وردَّد فى نفسه “والله ولبستّنى جلّابية العيب يا شيخ براهيم” بينما رفض الشيخ الجليل “المؤسسة” وتحت تهديد تلو الآخر أن يتنازل عن حق من “حقوق الله” مهما كلّفه ذلك -كلَّفها- من آلام وعناء ويبارك الزواج الباطل لعتريس وفؤادة.

ولمّا قامت “فؤادة” بفتح ” الهاويس”فى مشهد أدته بإقتدار الفنانة الكبيرة شادية وهى ترتدى زى وطرحة الفلاحة المصرية – وكأنها هى- فى تمثال الفنان العبقرى محمود مختار “نهضة مصر” فى موقعه الشهير أمام جامعة القاهرة كان ذلك هو التغيير وإدارة الدّفة بنفسها وبساعدها التى تحدثت إليها عنه المؤسسة . وأيقنت فؤادة بعمقها الضارب فى جذور التاريخ أن نهضة مصر تعتمد فى الأساس على جناحين أحدهما هى المياه التى ترمز إلى التنمية والبناء والثانى هى الحرية فى إتخاذ قرار إطلاق المياه من خلف “الهاويس” للصالح العام.

وعلى هامش السطور تأتى موسيقى بليغ حمدى المصاحبة للمياه وهى تغمر الأرض الجافة بعد فتح “الهاويس ” قريبة جداً وكأنه قد إستوحى منها لحنه ” عطاشى والميه بلاش” للفنانة عفاف راضى مما يؤكد لى – على الأقل – أنه يستلهم ألحانه من وحى الكلمة والمعنى والموقف وليس فقط من نغمات السلّم الموسيقى وهذا هو قمة الفن والإبداع والتميز.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق