تشهد منطقة الشرق الأوسط أحداثاً لم تمر بها منذ أحداث 1967 وما تبعها من حرب 1973، فما شهدته المنطقة بعد ثورات الربيع العربى، وانتشار الفوضى والحروب الأهلية وتدخل بعض الأطراف الدولية فى سوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن، لا تُقارن نتائجها بنتائج الحرب الدائرة الآن بين إسرائيل وإيران.
إن محاولة القضاء على قوة إقليمية بحجم إيران إنما يُنبئ عن نجاح إسرائيل وحلفاؤها فى إعادة ترسيم خريطة الشرق الأوسط الجديد وفق حدود جيوسياسية جديدة مُتفق عليها مسبقاً، كانت شرارتها أحداث غزة فى السابع من أكتوبر 2023، والتى اتخذتها إسرائيل ذريعة فى اتخاذ كل مايلزم للحفاظ على أمنها داخلياً وخارجياً، بدايةً من الإبادة الجماعية فى غزة وتهجير سكانها، مروراً بالتمدد الاستعمارى فى لبنان وسوريا، انتهاءًا بعدوانها على إيران ومحاولة القضاء على نظامها السياسى أو على الأقل إجبارها على التفاوض حول برنامجها النووى وفرض إملاءاتها وشروطها على الجانب الإيرانى، وإن كان سيكون هذا هو السيناريو الأقرب للواقع.
ورغم تعالى بعض الأصوات الحنجورية والتهليل بالقضاء على النظام الإيرانى حفاظاً على أمن دول الخليج، إلاَّ أن الكيان الصهيونى سيزال خطره الأشد وسيظل هو العدو التاريخى لنا نحن العرب، ولا مأمن من شره بغض النظر عن عقد اتفاقيات سلام أو التطبيع معه، حيث أن القوى الإقليمية مثل إيران وكوريا الشمالية وباكستان ….. إلخ، تجعل هناك توازناً إلى حد ما فى ميزان القوى أمام القوى الدولية الأحادية، وتُراجع نفسها مرات عديدة قبل أن تُسوِّل لها نفسها العدوان والبطش بأى دولة أخرى.
لا يخفى على أحد أطماع القوى الدولية الكبرى فى الاستحواذ على موارد وثروات الدول التى تعانى الفقر والحروب والصراعات الداخلية، ولا بأس أن يتفاوضوا حول تقاسم ثروات هذه الدول فيما بينهم، فكلٍ منهم يترك يد الآخر فى مناطق معينة ليسلب وينهب ثروات هذه الدول بدعوى تحقيق الأمن والآمان لشعوبها وإسقاط الأنظمة الاستبدادية كما تدَّعى.
ونحن العرب وخاصةً مصر ليس من مصلحتنا إسقاط النظام الإيرانى سواء اتفقنا أو اختلفنا معه حول بعض الأمور، وبغض النظر عن ديانة إيران الإسلامية، إلاَّ أن إيران تمثل قوة لا يُستهان بها أمام الكيان الصهيونى الغاشم الذى يصول ويجول فى المنطقة دون أن يأبه بالأنظمة العربية، ونفَّذ أبشع إبادة جماعية فى حق الفلسطينيين دون رادع، إن إسقاط إيران نذير شؤم نحو محاولة إسرائيل وحليفتها أمريكا تنفيذ مخططهما فى تهجير أهالى غزة ومن ثم الضغط على مصر بمختلف الأساليب السياسية والاقتصادية وتصدير المشكلات والأزمات لها خلال الفترات القادمة حتى ترضخ مصر لهذا المطلب المرفوض سياسياً وشعبياً.
أعتقد أن الإدارة المصرية بدأت ومنذ العدوان الإسرائيلى على إيران دراسة الموقف جيداً على مختلف الأصعدة، على أن تكون جاهزة للتعامل مع أي سيناريو ستحاول إسرائيل وأمريكا طرحه على الطاولة أمام مصر فى الأيام القادمة.

