ترامب ليس بطلاً، ولا يدخل حربًا من موقع الفارس المنقذ، بل يبدو ـ في تقديري ـ أنه مجبرٌ على الدخول في معارك لم يرسم كل خطوطها بنفسه. فكل شيء في هذا المشهد يبدو مخططًا ومُعدًا سلفًا، وفق ترتيبات تتجاوز الأشخاص إلى شبكات مصالح أعقد وأعمق.
وإذا سقطت إيران ـ إن حدث ذلك ـ فلن يكون السقوط فرديًا أو معزولًا، بل سنسقط واحدًا تلو الآخر في منطقة اعتادت أن تكون مسرحًا لتصفية الحسابات الدولية.
الحقيقة المُرّة أن إيران نفسها كانت ـ في مرحلة ما ـ أداةً في يد الولايات المتحدة؛ فزاعةً أُحسن استخدامها. “بعبع المنطقة” الذي لوّحت به القوى الكبرى كلما أرادت إعادة ترتيب المشهد أو ابتزاز الثروات. وباسم الخطر الإيراني، طلبت بعض الدول العربية الطيبة العون من الثعلب المكار، الذي صنع الخصم ثم عرض الحماية منه.
هكذا ظهرت القواعد الأمريكية في المنطقة، لا بقوة الاحتلال المباشر، بل بأموال وثروات المنطقة ذاتها. وكلما احتاجت واشنطن إلى مزيد من النفوذ أو التمويل، جرى النفخ في إيران مجددًا لتلوّح بالتهديد مرةً تلو الأخرى، فيعاد إنتاج الخوف، وتُعاد صياغة الفواتير.
ويأتي الرئيس الأمريكي ـ أيًّا كان اسمه أو سنّه أو توجهه ـ فيغرف من الثروات الطبيعية والمالية كما يشاء، ضمن منظومة تحكمها المصالح قبل المبادئ. ثم، بعد إحكام الطوق، وإعداد العدة، والسيطرة على خيوط اللعبة، يُلوَّح بورقة الفضيحة إن لزم الأمر. وما قضية Jeffrey Epstein إلا نموذجٌ على كيف يمكن لملفات الماضي أن تتحول إلى أوراق ضغط تُستخدم عند الحاجة.
لقد تحدث وزير خارجية عمان عن أن إيران قدمت تنازلات غير مسبوقة، قد تجعل الرئيس الأمريكي يبدو بطلاً استطاع أن يجبر طهران على التراجع عن ملفها النووي وتقديم تنازلات أخرى. غير أن المشهد ـ في تقديري ـ أعمق من صورة بطلٍ على منصة، وأعقد من خطاب نصرٍ في مؤتمر صحفي. فالرئيس نفسه قد يكون مغلوبًا على أمره أمام قوى أكبر، ومصالح أرسخ، ومراكز نفوذ لا تظهر في العلن.
إنها لعبة “أولاد العم” الذين يخططون وينفذون ويُعدّون ما استطاعوا من قوة، بينما نحن ـ معشر العرب ـ ما زلنا غارقين في الهيافات، والتفاهات، والنعرات، والكبر، والنفاق. أهنئهم على وعيهم العميق بسنن القوة وإدارتها، وعلى التزامهم بما يعتبرونه دساتيرهم الربانية في تحقيق أحلامهم الاستراتيجية، بينما لا عزاء لكل من تخاذل، أو سيخذل، بفعل الأنانية المفرطة، أو العجز عن قول كلمة حق، حتى نصرةً لشعب فلسطين المثابر الصابر.
نحن نعيش أحد أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن يعيشها إنسان في منطقة حساسة، بل مفرطة الحساسية تجاه مثل هذه الأزمات. لقد تأثرنا بالحرب الروسية الأوكرانية، وتأرجحت أسواقنا واقتصاداتنا، فكيف إذا اندلعت النيران في محيطنا المباشر؟ كيف إذا تحولت المنطقة بأسرها إلى ساحة صراع مفتوح؟
إنها لحظة اختبار قاسية، تكشف هشاشتنا حينًا، وتستدعي يقظتنا حينًا آخر.
وليس لها من دون الله كاشفة.
حفظ الله مصر من خطط الأعداء وكيدهم، وصان أرضها وشعبها من كل سوء، وجعلها دائمًا واحة استقرار وسط عواصف لا تهدأ

