لم تعد جرائم قتل النساء في مصر مجرد وقائع جنائية عابرة تنتهي بإلقاء القبض على الجاني وإحالته للمحاكمة، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة أعمق داخل المجتمع
أزمة تتعلق بنظرة بعض الرجال للمرأة، وحدود السلطة التي يعتقدون أنهم يمتلكونها عليها، والأخطر من ذلك، حجم التعاطف المجتمعي الذي يظهر أحيانًا مع القاتل نفسه.
الجريمة الأخيرة، التي ارتكبها قاضٍ بحق طليقته بدم بارد، فجّرت موجة واسعة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط بسبب بشاعة الواقعة، ولكن لأن جزءًا من النقاش انصرف إلى البحث عن مبررات للجاني، وكأن قتل المرأة قد يصبح في نظر البعض “رد فعل مفهومًا” إذا قررت الانفصال أو بدء حياة جديدة.
هذا النوع من التفاعل يكشف أن الأزمة لم تعد فردية، بل ترتبط بثقافة متجذرة تعتبر المرأة امتدادًا لسلطة الرجل وملكيته، لا إنسانًا مستقلًا يمتلك حق الاختيار.
أرى أن ما حدث ليس استثناءً أو حادثة منفصلة، بل انعكاس مباشر لثقافة ذكورية راسخة داخل المجتمع، القضية لا ترتبط بالمستوى التعليمي أو المكانة الاجتماعية، فالجاني هنا قاضٍ يفترض أنه الأكثر معرفة بالقانون، ومع ذلك ارتكب الجريمة بوعي كامل.
“حب التملك والسيطرة” هو المحرك الأساسي وراء هذا النوع من العنف، حيث يعجز بعض الرجال عن تقبل فكرة أن المرأة قد ترفضهم أو تقرر الرحيل عن العلاقة.
المفارقة أن الحل الطبيعي لأي علاقة فاشلة يبدو بسيطًا: الانفصال والمضي في الحياة، لكن الثقافة السائدة لدى البعض تحول هذا الرفض إلى معركة كرامة أو سلطة تنتهي أحيانًا بالعنف.
الأزمة، وفقًا لرؤيتي، لا تقف عند حدود الثقافة المجتمعية فقط، بل تمتد إلى المنظومة القانونية والإعلامية أيضًا. فحين تفشل القوانين أحيانًا في حماية النساء المهددات
أو تمنح بعض الأصوات الإعلامية مساحة لتبرير الجريمة أو التعاطف مع مرتكبها، يصبح العنف أكثر قابلية للتكرار.
اللافت في هذه القضية أن الجاني لم يظهر مرتبكًا أو منهارًا نفسيًا بعد ارتكاب الجريمة
بل تحدث بهدوء وكأنه يقدم رواية دفاعية محسوبة، وهو ما يعد مؤشرًا مهمًا لفهم طبيعة الشخصية والدافع الحقيقي وراء الجريمة.
واعتراف الجاني لا يعكس بالضرورة شعورًا بالذنب، بل قد يكون محاولة نفسية لتبرير الفعل أو تخفيف وطأة الإدانة داخليًا وطريقة حديثه وتصريحاته تكشف عن سمات نرجسية واضحة، تتمثل في الإحساس بالتفوق وغياب التعاطف الحقيقي مع الضحية.
وهنالك نقطة شديدة القسوة؛ فالرجل الذي قال إنه كان يخشى على ابنته، لم يفكر في الأثر النفسي المرعب الذي سيتركه قتل الأم على طفلة ستعيش بقية عمرها وهي تعلم أن والدها هو من أنهى حياة والدتها.
المخيف في الأمر ليس فقط تكرار هذه الجرائم، بل الاعتياد التدريجي عليها، وتحولها في بعض النقاشات العامة إلى مساحة للوم الضحية أو البحث عن أعذار للجاني.
وهنا تصبح المشكلة أخطر من جريمة قتل، لأنها تكشف خللًا في الوعي الجمعي نفسه.
القضية إذن ليست رجلًا قتل امرأة فقط، بل مجتمعًا ما زال جزء منه يتعامل مع المرأة باعتبارها “ملكًا خاصًا”، يمكن معاقبتها إذا قررت الرحيل، أو إذا حاولت استعادة حياتها بعيدًا عن سلطة الرجل.
وبينما تتكرر الجرائم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل المشكلة في الأفراد فقط، أم في ثقافة كاملة ما زالت تمنح العنف مبرراته؟

