بقلم:أحمد عثمان
هناك أشياء لا يمكن قياسها بالأرقام، ولا تترجمها استطلاعات الرأي، ولا تصنعها الحملات الإعلامية. هناك مشاعر لا تظهر إلا في اللحظات الفارقة، عندما يتحدث الناس بعفويتهم، بعيدًا عن السياسة والمصالح والحسابات.
هذا بالضبط ما رأيناه بعد إنجاز منتخب مصر في كأس العالم.
في غزة التي تنزف، وفي الكويت، والسعودية، وقطر، والإمارات، وفي عواصم ومدن عربية أخرى، خرج الناس إلى الشوارع، رفعوا العلم المصري، وغنوا لمصر، واحتفلوا كما لو أن منتخبهم الوطني هو من حقق الإنجاز. لم يطلب منهم أحد أن يفعلوا ذلك، ولم تكن هناك حملة دعائية أو تعبئة إعلامية او لجان إلكترونية. كان احتفالًا خرج من القلب… ولذلك وصل إلى القلب.
هنا فقط نفهم معنى “الحالة المصرية”.
لسنوات، سمعنا من يردد أن مصر فقدت مكانتها، وأن قوتها الناعمة انتهت، وأن تأثيرها العربي أصبح مجرد ذكريات. لكن الشعوب لا تجامل، والجماهير لا تمثل أحدًا إلا نفسها. وعندما جاءت لحظة الفرح، قالت الشعوب العربية كلمتها بأوضح صورة: مصر ما زالت تسكن الوجدان العربي.
هذا ليس انتصارًا لكرة القدم وحدها، بل انتصار لتاريخ طويل من التأثير الثقافي والحضاري والإنساني. فمصر لم تدخل البيوت العربية بالدبابات ولا بالمال، بل دخلتها بالأغنية، والكتاب، والفيلم، والمسرحية، والجامعة، والأزهر، والصحافة، واللهجة التي أصبحت مفهومة من المحيط إلى الخليج.
لهذا، عندما تفرح مصر، يشعر ملايين العرب أن لديهم سببًا للفرح أيضًا.
قد تختلف الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير المواقف السياسية، لكن هناك علاقة أعمق من السياسة، وأبقى من المصالح. علاقة صنعتها عقود من الثقافة والفن والتعليم والتاريخ المشترك، حتى أصبحت مصر بالنسبة لكثير من العرب ليست دولة شقيقة فحسب، بل جزءًا من ذاكرتهم الشخصية وهويتهم الثقافية.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن كل عربي يشجع مصر، أو أن الجميع يحمل الشعور نفسه، فلكل شعب منتخبه واعتزازه الوطني. لكن ما شاهدناه في هذا المونديال يؤكد أن مصر تمتلك رصيدًا من المحبة والتقدير في العالم العربي لا يمكن إنكاره، وأن هذا الرصيد يظهر تلقائيًا كلما حققت مصر إنجازًا يوحد المشاعر.
القوة الناعمة ليست مصطلحًا أكاديميًا، وليست بندًا في ميزانية دولة. القوة الناعمة هي أن يبكي طفل في غزة فرحًا بفوز مصر. وأن يخرج شاب كويتي يحمل العلم المصري. وأن تمتلئ شوارع الرياض والدوحة وأبوظبي بالأغاني المصرية. وأن يصبح انتصار مصر خبرًا سعيدًا لملايين العرب، حتى وهم ينتمون إلى أوطان مختلفة.
هذه هي الحالة المصرية.
حالة لا يمكن صناعتها، ولا شراؤها، ولا توريثها، ولا فرضها. حالة بنتها مصر عبر قرون، ورسختها بعقلها وثقافتها وفنها وريادتها، ثم جاءت كرة القدم لتكشف أن هذا الرصيد ما زال حيًا، ينتظر فقط لحظة يعلن فيها عن نفسه.
قد تمر مصر بأزمات، وقد تتراجع في ملفات، وقد تختلف معها أو عليها، لكن يبقى هناك شيء لا يزال عصيًا على التراجع… مكانتها في قلوب العرب.
وهذا هو الدرس الحقيقي الذي علمنا إياه كأس العالم.
لقد فاز المنتخب بمباريات داخل الملعب… لكن مصر ربحت شيئًا أكبر خارج الملعب.
ربحت الدليل، مرة أخرى، على أن الأمم لا تُقاس بما تملكه فقط، بل بما تتركه في قلوب الآخرين.
وتلك… هي الحالة المصرية.

