في كل مرة تُعلن فيها الحكومة أرقامًا جديدة عن النمو الاقتصادي أو ارتفاع الاحتياطي النقدي أو تحقيق فائض أولي في الموازنة، يبدو المشهد وكأن الاقتصاد المصري يحقق نجاحات متتالية لا تقبل الجدل. لغة الأرقام الرسمية توحي بأن المسار واضح وأن المؤشرات تتحسن عامًا بعد آخر، لكن بعيدًا عن الجداول والإحصاءات، هناك سؤال أكثر بساطة يطرحه المواطن كل يوم: لماذا لا أشعر بكل هذا التحسن؟
الحقيقة أن المواطنين لا يعيشون داخل تقارير الناتج المحلي الإجمالي، ولا يتعاملون مع الاقتصاد عبر نسب النمو أو مؤشرات الأداء الكلي، بل يختبرونه من خلال تفاصيل حياتهم اليومية؛ من فاتورة الطعام، وتكلفة العلاج، وأسعار الإيجارات، وقدرتهم على الادخار وتأمين مستقبل أسرهم.
ولعل الأرقام نفسها تكشف حجم الفجوة بين المؤشرات الكلية والواقع المعيشي، فمنذ عام 2016 ارتفع المستوى العام للأسعار بأكثر من 370%، ما يعني أن السلعة التي كان يمكن شراؤها بـ 100جنيه أصبحت تحتاج اليوم إلى نحو 470 جنيهًا أو أكثر.
ويظهر هذا التحول بوضوح في أحد أكثر المؤشرات قربًا من المواطن، وهو استهلاك اللحوم. ففي عام 2016 كان متوسط سعر الكيلو يدور حول 80 جنيهًا، بينما تجاوز حاليًا 420 جنيهًا، وفي المقابل تراجع متوسط نصيب الفرد السنوي من 14.2 كيلوجرامًا إلى نحو 8.5 كيلوجرامات فقط.
وبمعنى آخر، يدفع المواطن اليوم أكثر من خمسة أضعاف السعر تقريبًا للحصول على كمية أقل بنحو 40%، وهي معادلة تختصر في حد ذاتها حجم الضغوط التي تعرضت لها القوة الشرائية خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا تظهر المعضلة الحقيقية. فالقضية لم تعد مرتبطة بتحقيق النمو في حد ذاته، وإنما بطبيعة هذا النمو وجودته ومدى انعكاسه على حياة الناس. فعلى مدار العقد الأخير حقق الاقتصاد المصري معدلات نمو إيجابية، إلا أن هذا النمو لم ينجح بالقدر الكافي في حماية القوة الشرائية للمواطنين من موجات التضخم المتلاحقة، ولم يتحول إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة كما كان مأمولًا.
وفي الوقت ذاته، تواجه المالية العامة ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أعباء خدمة الدين والفوائد، وهو ما يحد من قدرة الدولة على توجيه مزيد من الموارد إلى قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. وبينما تركز الخطابات الرسمية على أهمية تحقيق الفائض الأولي والانضباط المالي، يبقى السؤال مطروحًا حول التكلفة الاجتماعية لهذه السياسات، خاصة عندما ترتبط بتقليص الدعم أو زيادة أسعار الخدمات والطاقة أو الاعتماد بشكل أكبر على الضرائب غير المباشرة التي يتحمل عبئها المواطن العادي.
والأكثر إثارة للقلق أن الاقتصاد لا يبدو قادرًا حتى الآن على تكوين قاعدة ادخار محلية قوية تدعم الاستثمار المستدام. فمعدلات الادخار المحلية ما زالت محدودة للغاية مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة، وهو ما يعكس ضيق المساحة المتاحة للأسر بعد تغطية احتياجاتها الأساسية. فالإنسان الذي يكافح لتوفير احتياجات يومه لا يملك رفاهية الادخار للمستقبل.
كما أن استمرار وجود نسب مرتفعة من الفقر يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى شمول النمو الاقتصادي. فحين يبقى ملايين المواطنين خارج دائرة الاستفادة الفعلية من ثمار التنمية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المؤشرات الكلية تعكس الصورة كاملة أم أنها تروي جانبًا واحدًا فقط من القصة.
وغالبًا ما تُستدعى التجربة الصينية في هذا السياق باعتبارها نموذجًا نجح بعد سنوات طويلة من الصبر والعمل. لكن المقارنة هنا تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فالصين بنت معجزتها الاقتصادية على قاعدة إنتاجية وصناعية ضخمة، ونجحت في تحويل الادخار المحلي إلى استثمارات منتجة، كما اعتمدت على التصدير ورفع الإنتاجية باعتبارهما محركين أساسيين للنمو.
أما السؤال الذي ينبغي طرحه في الحالة المصرية فهو: هل يعتمد نموذج النمو الحالي على الأسس نفسها التي صنعت التجربة الصينية؟
الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد المقارنة الزمنية. فجزء معتبر من النمو خلال السنوات الماضية ارتبط بالإنفاق والتوسع الائتماني والاستثمار العقاري، بينما ظل دور التصنيع والإنتاجية والصادرات أقل مما تحتاجه عملية التنمية طويلة الأجل. ولهذا لم يظهر أثر النمو بصورة قوية على مستويات الدخل الحقيقية أو فرص العمل ذات الجودة العالية.
ومن هنا يمكن فهم الفجوة المتزايدة بين لغة الحكومة ولغة المواطنين. فالحكومة ترى مؤشرات الاستقرار والصمود وتحسن بعض المتغيرات الاقتصادية، بينما يرى المواطن أسعارًا أعلى وقدرة شرائية أضعف وصعوبة أكبر في الادخار. وربما لا يكون أي من الطرفين مخطئًا بالكامل، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في اتساع المسافة بين المؤشرين: مؤشر الاقتصاد على الورق، ومؤشر الاقتصاد في حياة الناس.
في النهاية، لا يمكن اختزال نجاح أي اقتصاد في معدل النمو وحده. فالنمو الحقيقي هو ذلك الذي يخلق وظائف جيدة، ويرفع مستويات الدخل، ويعزز الادخار، ويوفر فرصًا أوسع للحراك الاجتماعي. أما الأرقام، مهما كانت إيجابية، فإنها تفقد كثيرًا من بريقها عندما لا يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية.
لذلك يبقى السؤال الأهم ليس: كم حقق الاقتصاد من النمو؟ بل: من الذي استفاد من هذا النمو؟ وإلى أي مدى انعكس على حياة المواطنين؟ فنجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس فقط بما تحققه من مؤشرات، بل بما تتركه من أثر ملموس في حياة الناس ومستقبلهم.

