المثلث الذهبي …ملامح المستقبل الاقتصادي لمصر

تحليل يكتبه : د.سعيد الأطروش

ليست كل المؤتمرات سواء، فبعضها ينتهي بانتهاء الجلسة الختامية، بينما تبقى أخرى حاضرة في الوعي الوطني لأنها تطرح الأسئلة الحقيقية وتبحث عن إجابات واقعية قابلة للتنفيذ.

ومن هذا النوع كان مؤتمر «المثلث الذهبي» الذي انعقد تحت رعاية دولة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، رافعاً شعاراً شديد البساطة وعظيم الدلالة: الاستثمار – الصناعة والزراعة – التصدير.

ثلاث كلمات تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تشكل معاً معادلة التنمية المصرية في السنوات المقبلة.

وقبل الحديث عن التوصيات، يصبح من الواجب أن نتوجه بالشكر والتقدير إلى القامة الاقتصادية الكبيرة المهندس علي عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، الذي حمل منذ اللحظة الأولى رسالة واضحة مفادها أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ليست خياراً بل ضرورة وطنية.

كما يستحق المهندس مجد الدين المنزلاوي، الأمين العام للجمعية ورئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر، كل التقدير على الجهد الفكري والتنظيمي الذي ظهر في جودة الجلسات وتنوع المشاركين وعمق النقاشات، حيث بدت كل جلسة وكأنها قطعة في لوحة متكاملة رسمت ملامح المستقبل الاقتصادي الذي نطمح إليه.

ولا يمكن إغفال الدور المؤسسي المحترف للجهاز الإداري للجمعية بقيادة الدكتور محمد يوسف، المدير التنفيذي، الذي أثبت مرة أخرى أن المؤسسات الناجحة لا تبنى فقط بالرؤى وإنما أيضاً بفرق العمل القادرة على تحويل الأفكار إلى واقع.

كما يظل للدكتورة رشا رمضان وفريق العمل وكل من شارك في الإعداد والتحضير على مدار شهور طويلة نصيب وافر من التقدير، فخلف كل مؤتمر ناجح جنود يعملون بصمت ليظهر العمل بالصورة التي تليق باسم جمعية رجال الأعمال المصريين وتاريخها الممتد.

لقد نجحت النسخة الثانية من المؤتمر في تقديم نموذج حقيقي لدور مجتمع الأعمال في تشخيص التحديات الاقتصادية، وتحليل أسبابها، وصياغة حلول عملية قابلة للتطبيق، بعيداً عن التنظير أو الشعارات.

أولاً: من قناة السويس إلى العلمين… تعميم التجارب الناجحة

حين أوصى المؤتمر بإنشاء منطقة اقتصادية خاصة بالعلمين الجديدة على غرار المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإنه كان يدعو إلى مبدأ اقتصادي بالغ الأهمية: “استنساخ النجاح لا اختراع العجلة من جديد”.

فالعلمين تمتلك موقعاً استراتيجياً يجعلها بوابة طبيعية للأسواق الأوروبية والمتوسطية، ويمكن أن تتحول إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي إذا توافرت البيئة التشريعية والإدارية المناسبة.

 

ثانياً: الدولة والقطاع الخاص… من الحوار إلى الشراكة

 

جاءت الدعوة إلى فتح حوار مجتمعي حول وثيقة ملكية الدولة لتؤكد أن الاقتصاد القوي لا يبنى بالقرارات المنفردة، بل بالحوار المؤسسي.

وهنا تتجلى الرسالة التي أكد عليها المهندس علي عيسى والمهندس مجد الدين المنزلاوي خلال المؤتمر: قد تختلف وجهات النظر أحياناً، وقد تتباين الأساليب، لكن تبقى مصلحة مصر هي الهدف الأعلى الذي يلتقي عنده الجميع.

 

ثالثاً: الاستثمار لا يتحرك بالخريطة فقط

 

ربط الاستراتيجية الصناعية بالخريطة الاستثمارية يمثل نقلة مهمة من التخطيط النظري إلى التخطيط المرتبط بالواقع.

فمصر لا تحتاج فقط إلى استثمارات جديدة، بل تحتاج إلى توجيه هذه الاستثمارات نحو الأماكن والقطاعات الأكثر احتياجاً، بما يحقق تنمية متوازنة وعدالة اقتصادية بين المحافظات.

رابعاً: المواطن شريك في النجاح

الدعوة إلى إشراك المواطنين في ملكية بعض الأصول والشركات الحكومية تعكس فهماً حديثاً للتنمية.

فكلما شعر المواطن بأنه شريك في النجاح الاقتصادي، زادت ثقته في مسار الإصلاح، وتحول من متابع للأحداث إلى مساهم فيها.

خامساً: الصناعة أولاً

تفضيل المنتج المحلي ليس شعاراً اقتصادياً، بل فلسفة تنموية.

فكل منتج مصري ينجح في منافسة المستورد يعني فرصة عمل جديدة، ومكوناً محلياً أعلى، وعملة أجنبية أقل خروجاً من البلاد.

سادساً: التمويل هو وقود الإنتاج

جاءت التوصية الخاصة بإطلاق مبادرة تمويلية بفائدة ميسرة للصناعة والزراعة لتلامس واحدة من أهم القضايا التي تواجه المستثمرين.

فالمصنع لا يحتاج فقط إلى أرض أو ترخيص، بل يحتاج إلى رأس مال عامل يضمن استمرار الإنتاج والتوسع.

سابعاً: إنقاذ المصانع المتعثرة

من أكثر التوصيات واقعية تلك المتعلقة بإنشاء منصة موحدة لحصر المصانع المتعثرة.

فإعادة تشغيل مصنع متوقف غالباً أقل تكلفة وأسرع أثراً من إنشاء مصنع جديد من الصفر.

ثامناً: التنمية تذهب إلى المواطن

إنشاء مناطق صناعية بالقرب من مصادر الخامات وداخل نطاق القرى المصرية يمثل فكراً تنموياً متقدماً.

فالوظيفة التي تذهب إلى المواطن أفضل اقتصادياً واجتماعياً من المواطن الذي يضطر للهجرة بحثاً عن الوظيفة.

تاسعاً: البحث العلمي ليس رفاهية

الصناعة الحديثة لا تقوم على الآلات فقط، بل على المعرفة.

ومن هنا جاءت أهمية الحوافز المقترحة للبحث العلمي والذكاء الاصطناعي باعتبارهما مفتاح المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

عاشراً: الإنسان قبل المصنع

أحد أهم مخرجات المؤتمر كان التأكيد على أن العنصر البشري هو حجر الأساس.

فالمصانع يمكن شراؤها، والتكنولوجيا يمكن استيرادها، أما الكفاءات البشرية فتحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والتأهيل.

الحادي عشر: التصدير طريق العملة الصعبة

زيادة مخصصات المساندة التصديرية وسرعة صرفها تعني منح المصدر المصري القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

فالتصدير لم يعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية وأمن قومي اقتصادي.

الثاني عشر: إفريقيا… السوق التي تنتظر مصر

إعادة دعم الشحن إلى الأسواق الإفريقية خطوة ضرورية.

فإفريقيا ليست مجرد سوق واعدة، بل عمق استراتيجي طبيعي للاقتصاد المصري.

 

الثالث عشر: ضمان الصادرات وتمويلها

تفعيل الشركة المصرية لضمان الصادرات وتطوير أدوات التمويل يمثلان أحد أهم مفاتيح زيادة الصادرات وتقليل المخاطر أمام المستثمرين.

الرابع عشر: جنود مصر الاقتصاديون بالخارج

أحسن المؤتمر حين ثمّن دور جهاز التمثيل التجاري.

فهؤلاء هم سفراء الاقتصاد المصري الذين يفتحون الأبواب أمام المنتجات الوطنية في مختلف الأسواق العالمية.

الخامس عشر: لوجستيات أسرع… صادرات أكبر

زيادة خطوط الرورو وتطويرها ليست قضية نقل فقط، بل قضية تنافسية اقتصادية كاملة.

فكل ساعة يتم توفيرها في زمن الشحن تعني فرصة أكبر للمنتج المصري للوصول إلى الأسواق العالمية.

المؤتمر لم ينتهِ بعد

الحقيقة أن مؤتمر «المثلث الذهبي» لم ينتهِ بإعلان التوصيات.

فالمرحلة الأهم تبدأ الآن.

مرحلة المتابعة والتنفيذ وقياس النتائج وتحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى مشروعات، والمشروعات إلى فرص عمل ونمو وصادرات.

لقد قدمت جمعية رجال الأعمال المصريين نموذجاً وطنياً محترماً في الحوار الاقتصادي المسؤول، وأثبتت أن مجتمع الأعمال المصري لا يكتفي برصد المشكلات، بل يشارك في صناعة الحلول.

ويبقى الأمل أن تتحول توصيات هذا المؤتمر إلى خارطة طريق عملية تدعم رؤية الدولة المصرية، وتعزز مناخ الاستثمار، وتدفع الصناعة والزراعة والتصدير إلى آفاق أوسع.

فحين يجتمع الفكر مع الإرادة، والخبرة مع الوطنية، تصبح التنمية أقرب مما نتصور.
ومصر تستحق.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار