لماذا تنزانيا؟.. حكاية بدأت بالماء وانتهت بالمصالح

بقلم: سعيد الأطروش

يقول مثل أفريقي قديم: “إذا أردت أن تسير سريعًا فسر وحدك، وإذا أردت أن تسير بعيدًا فسر مع الآخرين.”

وقال المصريون القدماء: “النيل لا يمنح خيره إلا لمن يعرف كيف يحسن جواره.”

بين المثلين تمتد حكاية عمرها آلاف السنين. فالنيل الذي ولد على ضفافه المصري القديم، لم يكن يومًا مجرد نهر، بل كان طريقًا للحياة، ورسالةً تربط شعوب القارة قبل أن ترسم السياسة حدود الدول.

وعلى الضفة الأخرى من الحكاية، تقف تنزانيا… حيث تنبع رواية أخرى للنيل من بحيرة فيكتوريا، وكأن التاريخ أراد أن يكتب الفصل الأول في القاهرة، ويترك الفصل التالي في دار السلام.

قبل أكثر من ستين عامًا، كانت مصر بقيادة جمال عبد الناصر من أوائل الدول التي دعمت حركات التحرر الوطني في شرق أفريقيا، وكانت تنجانيقا – قبل اتحادها مع زنجبار وتكوين جمهورية تنزانيا – ترى في القاهرة شريكًا في معركة الاستقلال. يومها كانت السياسة هي لغة التقارب.

أما اليوم، فقد تغيرت اللغة… وأصبحت الاقتصاد هو القاموس الجديد للعلاقات الدولية.

ولهذا لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا زيارة مجاملة، بل عودة واعية إلى صفحة قديمة لإعادة كتابتها بحبر الاستثمار والتجارة والتنمية.

فلماذا تنزانيا تحديدًا؟

لأنها ليست مجرد دولة في شرق أفريقيا، بل بوابة اقتصادية تمتد إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين عبر تجمع شرق أفريقيا، وتملك أحد أهم الموانئ المطلة على المحيط الهندي، وهو ميناء دار السلام، الذي يمثل شريانًا تجاريًا لدول عديدة لا تمتلك منافذ بحرية.

ولأنها أيضًا دولة غنية بالغاز الطبيعي، والذهب، والمعادن النادرة، والأراضي الزراعية الخصبة، بينما تمتلك مصر ما تحتاجه هذه الثروات لتتحول إلى قيمة مضافة: خبرة في التشييد، وصناعة الدواء، والصناعات الغذائية، والبنية التحتية، وإدارة المياه، والمناطق الصناعية.

إنها معادلة نادرة… موارد هناك، وخبرة هنا، وسوق أفريقية واسعة بينهما.

ومن يقرأ خريطة العالم اليوم يدرك أن الصراع لم يعد على احتلال الأراضي، بل على بناء الموانئ، وربط سلاسل الإمداد، وتأمين الأسواق الجديدة. ولهذا تتحرك مصر جنوبًا، ليس بحثًا عن النفوذ، وإنما بحثًا عن المستقبل.

فالعالم يعيد رسم خرائط التجارة، وأفريقيا ستكون أحد أهم مراكز النمو خلال العقود المقبلة، ومن يتأخر عن الوصول إليها، سيدفع لاحقًا ثمن الانتظار.

لهذا تبدو تنزانيا أكثر من محطة دبلوماسية؛ إنها مفتاح. مفتاح لشرق أفريقيا، ومفتاح لتعزيز الصادرات المصرية، ومفتاح لشراكات صناعية وزراعية ولوجستية قادرة على خلق مصالح متبادلة أكثر رسوخًا من أي اتفاق سياسي.

هكذا تتحول الحكاية القديمة بين ضفاف النيل إلى قصة جديدة عنوانها الاقتصاد. فما بدأ بالماء قبل آلاف السنين، يستكمل اليوم فصوله بالاستثمار والتجارة والثقة.

ولعل أفريقيا كلها تردد الآن المثل الذي صدّرت به المقال: “إذا أردت أن تسير بعيدًا… فسر مع الآخرين.” وقد اختارت مصر أن تسير بعيدًا، مع أفريقيا، لا إليها فقط

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار