تطور التنظيم القانوني للتحكيم في أسواق المال العربية (من الإلزام التشريعي إلى تكريس مبدأ سلطان الإرادة)

 

بقلم / د. البدوي عبد العظيم البدوي محام بالنقض ومحكم معتمد وخبير فض منازعات الاستثمار

 

 

شهدت أسواق المال العربية خلال العقود الأخيرة تطوراً متسارعاً رافقه توسع في حجم التداولات وتزايد في عدد المستثمرين، الأمر الذي فرض على المشرعين البحث عن وسائل أكثر كفاءة لتسوية المنازعات الناشئة عن التعامل في الأوراق المالية. وقد بدت فكرة اللجوء إلى التحكيم آنذاك خياراً مناسباً لما يوفره من سرعة في الفصل في النزاعات الفنية مقارنة بإجراءات التقاضي التقليدية.
غير أن التطبيق التشريعي لهذه الفكرة لم يسر دائماً في الاتجاه الذي تقتضيه طبيعة التحكيم. ففي عدد من التشريعات العربية، لم يُنظر إلى التحكيم باعتباره وسيلة اتفاقية تستند إلى إرادة الأطراف، وإنما قُدم باعتباره إجراءً إلزامياً يفرضه القانون أو اللوائح التنظيمية على المتعاملين في السوق. وبذلك فقد التحكيم أحد أهم مقوماته، وهو الرضا، وتحول في بعض الحالات إلى قيد إجرائي يحول دون اللجوء إلى القضاء. ومع تطور الاجتهاد القضائي، بدأت هذه المقاربة تتراجع تدريجياً، ليحل محلها اتجاه أكثر اتزاناً يوازن بين متطلبات تنظيم السوق وضمان الحقوق الأساسية للمتعاملين.
الرقابة الدستورية وإعادة الاعتبار للطبيعة الاتفاقية للتحكيم
اعتمدت المرحلة الأولى من التنظيم على افتراض مفاده أن دخول المستثمر إلى سوق الأوراق المالية يعد قبولاً ضمنياً بالخضوع للتحكيم والتنازل عن حقه في اللجوء إلى القضاء. وقد تجسد هذا الاتجاه في المادة (52) من قانون سوق المال المصري رقم (95) لسنة 1992، كما ظهر في القرار رقم (1) لسنة 2001 في دولة الإمارات، حيث اعتبر مجرد التعامل في السوق موافقة مسبقة على التحكيم مع استبعاد طرق الطعن المعتادة.
إلا أن هذا التصور لم يصمد أمام الرقابة القضائية. ففي عام 2002 أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكمها في الدعوى رقم (55 لسنة 23 قضائية “دستورية”)، وقضت بعدم دستورية المادة (52)، مؤكدة أن التحكيم لا يقوم إلا على إرادة حرة وصريحة، وأن فرضه بنص تشريعي يمثل مساساً بالحق الدستوري في التقاضي، وينتقص من ولاية القضاء دون سند يستند إلى اتفاق صحيح بين الخصوم.
وسار القضاء الإماراتي في الاتجاه ذاته. فقد قضت محكمة نقض أبو ظبي، في حكمها الصادر في الطعن رقم (554 لسنة 2008)، بعدم مشروعية القرار الإداري الذي كان يفرض التحكيم في منازعات سوق المال، وقررت أن تقييد اختصاص القضاء العام لا يجوز أن يستند إلى قرار إداري، وإنما يتطلب أساساً تشريعياً واتفاقاً صحيحاً بين أطراف النزاع. وقد انعكس هذا التوجه على الأطر التنظيمية في عدد من الدول العربية، فبادرت الجهات الرقابية في الإمارات والكويت وقطر إلى مراجعة لوائحها بما ينسجم مع الطبيعة الرضائية للتحكيم.

استمرار بعض القيود التنظيمية بعد إلغاء الإلزام
لم يؤد التحول إلى نظام التحكيم الاختياري – في تلك المرحلة- إلى إزالة جميع الإشكالات العملية. ففي بعض النظم التنظيمية، ظل اتفاق الأطراف على التحكيم يقودهم إلى الخضوع تلقائياً للوائح إدارية تفرض قواعد إجرائية لا يملكون تعديلها، وهو ما يحد من حرية الأطراف التي يفترض أن تشكل الأساس الذي يقوم عليه نظام التحكيم.
ويظهر ذلك أولاً في طريقة تشكيل هيئة التحكيم، إذ تتولى الجهة الإدارية تشكيل الهيئة وفق نموذج محدد مسبقاً يضم قاضياً وممثلين عن الهيئة أو السوق، من دون أن تتاح للأطراف حرية اختيار المحكمين أو الاتفاق على محكم منفرد إذا رأوا أن ذلك يحقق مصلحة النزاع.
كما يبرز الإشكال في تداخل الأدوار بين الجهة المنظمة للسوق والجهة التي تفصل في النزاع. ففي بعض الحالات، تضم هيئة التحكيم أشخاصاً سبق لهم المشاركة في فحص الشكاوى أو إبداء الرأي الفني بشأنها، الأمر الذي يثير تساؤلات تتعلق بحياد الجهة الفاصلة واستقلالها.
ويمتد الأمر أيضاً إلى إجراءات رد المحكمين، حيث أسندت بعض اللوائح الفصل في طلبات الرد إلى مجالس إدارات الهيئات الرقابية بقرارات نهائية، وهو ما يقلص من الرقابة القضائية على هذه الإجراءات ويثير شكوكاً بشأن الضمانات المقررة لاستقلال هيئة التحكيم.
وقد انعكست هذه الملاحظات في عدد من الأحكام القضائية التي انتهت إلى بطلان بعض أحكام التحكيم الصادرة وفق تلك اللوائح، تأسيساً على عدم اكتمال الضمانات الإجرائية التي يفترض توافرها في العملية التحكيمية.
قواعد البورصة المصرية لعام 2014م (النموذج الأكثر اتساقاً مع المعايير الحديثة)
مثلت قواعد التحكيم التي أصدرتها البورصة المصرية عام 2014 تحولاً واضحاً في فلسفة تنظيم التحكيم في منازعات أسواق المال، إذ انتقلت من النهج القائم على الإدارة المباشرة لإجراءات التحكيم إلى نموذج يمنح الأطراف مساحة أوسع لممارسة إرادتهم مع الحفاظ على الضمانات المؤسسية اللازمة.
استندت هذه القواعد إلى قواعد لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، الأمر الذي وفر إطاراً إجرائياً يتوافق مع الممارسات الدولية ويستوعب طبيعة المنازعات ذات البعد المحلي أو الدولي. كما أكدت بصورة صريحة أن اللجوء إلى التحكيم لا يكون إلا بناءً على اتفاق كتابي واضح يحدد نطاق النزاع والأطراف الخاضعين له.
وفيما يتعلق بتشكيل هيئة التحكيم، تخلت القواعد عن نظام التعيين الإداري الإلزامي، وأتاحت للأطراف اختيار المحكمين من بين قائمة تضم متخصصين وخبراء، مع منحهم حرية الاتفاق على تشكيل الهيئة وفق ما يناسب طبيعة النزاع.
ولم تقتصر الإصلاحات على ذلك، بل سعت القواعد إلى تحقيق توازن عملي بين السرية التي تتطلبها المنازعات التجارية، وبين متطلبات الشفافية التي تفرضها طبيعة أسواق المال وحماية المتعاملين فيها. كما وضعت آلية مؤسسية للنظر في طلبات رد المحكمين تكفل استقلال هيئة التحكيم، وتحد من أي تدخل إداري قد يؤثر في حيادها أو في ثقة الأطراف بالإجراءات.
وختاماً
يكشف تطور تنظيم التحكيم في أسواق المال العربية عن انتقال تدريجي من مرحلة هيمنت فيها الاعتبارات الإدارية إلى مرحلة أصبح فيها احترام إرادة الأطراف أحد المبادئ الحاكمة لهذا التنظيم. ولم يكن هذا التحول نتيجة تعديل تشريعي فحسب، بل جاء استجابة لاجتهاد وتدخل القضاء الدستوري والعادي الذي أعاد التأكيد على أن التحكيم لا يجب أن يفقد طبيعته الاتفاقية مهما كانت خصوصية وطبيعة المنازعات التي ينظرها، وفي الوقت ذاته، أوضحت التجربة أن فعالية التحكيم في قطاع أسواق المال لا تتحقق بمجرد النص عليه، وإنما تتطلب إطاراً إجرائياً يضمن استقلال هيئة التحكيم، وحياد إجراءاتها، وحرية أطراف النزاع في اختيار الوسيلة التي يرتضونها لتسوية نزاعهم، مع الاستفادة من المعايير الدولية التي أثبتت نجاحها في هذا المجال. ومن شأن ترسيخ هذه المبادئ أن يعزز الثقة في أنظمة تسوية المنازعات، وأن يدعم استقرار البيئة الاستثمارية في أسواق المال العربية على المدى الطويل.

 

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار