في حوار للقرار المصري.. رئيس الاقتصادية بالنواب سابقًا يكشف «الحل الغائب» لإنقاذ القرى من الهجرة
في ظل توجه الدولة نحو دعم الإنتاج المحلي وتنمية المناطق الريفية، يرى الدكتور مدحت الشريف، وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب السابق واستشاري الاقتصاد السياسي والأمن القومي، أن فكرة «القرية المنتجة» تمثل خطوة جيدة، لكنها تحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا لضمان تحقيق نتائج اقتصادية مستدامة.
لكن نجاح هذه الرؤية، وفقًا للدكتور مدحت الشريف يتطلب تجاوز فكرة إنشاء مشروعات منفردة داخل القرى، والانتقال إلى رؤية أكثر شمولًا تقوم على إعادة إحياء «الأقاليم الاقتصادية»، وربط كل إقليم بالمزايا النسبية التي يمتلكها، إلى جانب تطوير التعليم والتدريب الفني وتوفير التمويل اللازم للشباب.
وفي حواره مع “القرار المصري”، طرح الشريف تصورًا متكاملًا لتنمية المناطق الريفية، مؤكدًا أن توفير فرص عمل مستقرة للشباب داخل مناطقهم يمكن أن يسهم في الحد من الهجرة غير الشرعية، إلى جانب تحقيق استفادة أكبر من البنية الأساسية التي أنفقت الدولة استثمارات ضخمة لإنشائها.
– كيف ترى مبادرة «القرية المنتجة»؟
بشكل عام، وجود نشاط تنموي في المناطق الريفية والبعيدة عن الحضر أمر جيد، لكن الموضوع يحتاج إلى أن يتم تعميمه بصورة أفضل.
ولابد أن نكون واقعيين ونسأل: ماذا سنفعل؟ وكيف؟ ولماذا؟
في الماضي كان هناك ما نطلق عليه «الأقاليم الاقتصادية»، وكانت مصر مقسمة إلى أقاليم اقتصادية، وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تحقيق نوع من التكامل بين المحافظات المختلفة في الإنتاج، من خلال تجميع المحافظات التي لديها مزايا نسبية في نشاط معين.
وأرى أننا نحتاج إلى إحياء هذه الفكرة مرة أخرى، لأن الهدف لا يجب أن يكون فقط منع الناس من السفر إلى الخارج، وإنما تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية.
– كيف يمكن تطبيق فكرة الأقاليم الاقتصادية على مبادرة «القرية المنتجة»؟
الفكرة تبدأ من البحث عن المزايا النسبية الموجودة في كل إقليم.
على سبيل المثال، منطقة المحلة الكبرى ومحافظة الغربية والمناطق المحيطة بها لديها تاريخ ومقومات مهمة في نشاط الغزل والنسيج، وبالتالي يمكن التعامل معها باعتبارها إقليمًا متكاملًا لهذا النشاط، ودعم هذه الميزة، خاصة مع وجود البنية الأساسية والمصانع والشركات المرتبطة بالقطاع.
وفي الصعيد، لدينا العديد من الزراعات التي تنمو بكثافة وبشكل جيد، ويمكن الاستفادة منها في إنشاء صناعات غذائية مرتبطة بهذه المنتجات.
فبدلًا من أن تخرج المحاصيل من المنطقة في صورتها الخام، يمكن إقامة صناعات تعتمد عليها، وهو ما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل داخل الإقليم نفسه.
– هل ترى أن تنمية الريف يجب أن تركز على الصناعة فقط؟
لا، بالتأكيد، الموضوع لا يقتصر على الصناعة فقط، وإنما يمكن أن يشمل الزراعة وتنمية الثروة الحيوانية وغيرها من الأنشطة التي تتناسب مع طبيعة كل منطقة، المهم أن نحدد الميزة النسبية لكل إقليم، ثم نبدأ في دعمها وتنميتها، وهناك تجارب سابقة يمكن الاستفادة منها في هذا الإطار.
– ما أبرز التجارب التي يمكن البناء عليها؟
كنت الأمين العام لحملة تنمية الشرايين وحلايب، تقريبًا في عامي 2013 أو 2014، ودخل معي وقتها تحالف من مؤسسات المجتمع المدني، من بينها صناع الحياة ومصر الخير وغيرها.
وقمنا بتنفيذ أنشطة تنموية في حلايب وشلاتين، وكان من أهم النماذج تنمية الثروة الحيوانية.
كانت مصر الخير توفر ماشية في أعمار معينة وتوزعها على الأسر بعد تقديم الطلبات وإجراء بحث للحالة، ثم تتم تنمية الثروة الحيوانية تحت إشراف بيطري مباشر.
وقد تابعت بنفسي بعض تفاصيل هذا الأمر، وكانت التجربة ناجحة للغاية؛ لأنها كانت تحقق ما نسميه «توليد الدخل».
فالمشروع لم يكن مجرد توزيع ماشية، ولكنه كان يوفر دخلًا للأسرة، ويحسن مستوى المعيشة، ويخلق فرصة للعمل والاستثمار.
– وماذا عن استغلال المحاصيل الزراعية في إقامة صناعات داخل القرى؟
هذا نموذج مهم جدًا، لو أخذنا مثلًا قرية العمار، التي تشتهر بالمشمش، يمكن ألا يتوقف الأمر عند بيع المحصول، وإنما نقيم صناعات تكميلية مرتبطة به، ونستغل المنتج بأشكال مختلفة، حتى إن نوى المشمش يمكن الاستفادة منه.
وكانت هناك مطالب أوروبية على بعض الصناعات المرتبطة بالمشمش في ذلك الوقت، إذن الفكرة أن أبحث عن الميزة النسبية لكل منطقة، ثم أعمل على بناء سلسلة إنتاج حولها.
وهنا يأتي دور الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، لأن لديها قدرة أكبر على الوصول إلى المناطق الريفية.
– هل تستطيع مؤسسات المجتمع المدني القيام بهذا الدور بمفردها؟
لا، ولكنها تستطيع أن تكون جزءًا أساسيًا من المنظومة، يمكن أن تعمل الجمعيات بالتعاون مع التعاونيات والجمعيات الزراعية، إلى جانب الاستفادة من المراكز البيطرية التابعة لوزارة الزراعة والمنتشرة في مختلف المحافظات.
كما أن الإدارات الزراعية يمكن أن تساعد في تحديد الأنشطة المناسبة، وليس بالضرورة أن يقتصر دورها على الزراعة، وإنما يمكن أن تقدم الإرشاد في عمليات تصنيع المحاصيل وإقامة الصناعات الغذائية المرتبطة بها.
لكن الأمر يحتاج إلى دراسة واسعة وسريعة، ثم البدء بمشروعات تجريبية، أو ما يسمى Pilot Projects، لاختبار النموذج قبل التوسع فيه.
– كيف يمكن تطبيق ذلك على قطاع مثل الغزل والنسيج؟
لدينا بالفعل مجموعة من مصانع الغزل والنسيج في محافظة الغربية، ويمكن البناء على هذه الصناعة بدلًا من البدء من الصفر، لكن المهم ألا ننظر إلى المصنع باعتباره وحدة منفصلة، صناعة الغزل والنسيج لديها صناعات مكملة كثيرة، بداية من الصباغة والمسابغ، وصولًا إلى تصنيع الأزرار وغيرها من مراحل الإنتاج.
لذلك يجب أن نأخذ خط الإنتاج بالكامل ونبدأ في تنميته داخل المحافظة أو الإقليم الاقتصادي نفسه، بحيث يخرج المنتج من الإقليم إلى السوق المحلي أو إلى التصدير، وهذا بالتأكيد يوفر فرصًا كبيرة لتشغيل الشباب.
– لكن هل يمكن لهذه الوظائف أن تكون بديلًا حقيقيًا عن الهجرة إلى الخارج؟
لابد أن نكون واقعيين الدخل الذي سيحصل عليه الشاب في قريته لن يكون بالضرورة بنفس القيمة التي يمكن أن يحصل عليها في الخارج، خصوصًا إذا وجد فرصة عمل هناك وعبر البحر ووصل سالمًا.
لكن ما نستطيع توفيره هو دخل مستقر، والاستقرار مهم جدًا؛ لأن الشاب عندما يكون في بلده، وسط أسرته وناسه، تكون لديه فرصة أكبر في أن يبدأ وينمي النشاط الذي يعمل به، ولدينا في القرى عقليات متميزة جدًا بطبيعتها، لكن هذه الطاقات تحتاج إلى التدريب والتأهيل.
– وهنا نصل إلى مشكلة التعليم الفني والتدريب المهني.. كيف تراها؟
هذه واحدة من أهم المشكلات، لدينا عدد كبير من الشباب في القرى، وللأسف كثير منهم لا يمتلك حرفة يستطيع أن يعمل من خلالها.
نحن بحاجة إلى قاعدة واضحة للتعليم والتدريب الفني، سواء التعليم الفني الذي يلتحق به الطالب بعد الإعدادية، أو التدريب المهني.
لكن يجب أن يكون التعليم الفني حقيقيًا، وليس مجرد الحصول على شهادة، المشكلة أن جزءًا من منظومة التعليم الفني لا يوفر التدريب العملي المطلوب، ولا توجد بالقدر الكافي برامج تدريب أو آلات ومعدات تحاكي سوق العمل الحقيقي.
وبالتالي نجد أن الشاب يتدرب على شيء، بينما سوق العمل يحتاج إلى شيء آخر.
– وما المطلوب لتطوير التدريب المهني؟
مراكز التدريب المهني يجب أن تنتشر في المحافظات التي لديها مزايا نسبية، بحيث يتم تأهيل الشباب وفقًا لاحتياجات سوق العمل في كل منطقة.
إذا أخذنا مثلًا محافظة الغربية وصناعة الغزل والنسيج، فمن الممكن إنشاء مراكز تدريب مهني متخصصة في هذه الصناعة، ويجب أن تشارك المصانع نفسها في عملية التدريب.
فالمطلوب أن يخرج الشاب من التدريب وهو يمتلك مهارة حقيقية يحتاج إليها المصنع، ونحن لدينا مشكلة حقيقية في العمالة الفنية الماهرة، وهناك طلب كبير على «الصنايعي الماهر».
وأنا أرى أن مستقبل أي دولة مبني أساسًا على التعليم الفني والصناع المهرة.
– هل المشكلة أن منظومة التدريب موزعة بين أكثر من جهة؟
نعم، وهذا أحد أسباب المشكلة، لدينا التعليم الفني في وزارة التربية والتعليم، وهناك مراكز ومدارس للتدريب المهني في وزارة العمل، إلى جانب منظومات أخرى للتدريب والتأهيل، فضلًا عن مصلحة الكفاية الإنتاجية والتدريب التابعة لوزارة الصناعة، كل هذه الجهات تعمل في مجالات متقاربة، لكن المنظومة في النهاية متفرقة.
– وما الحل من وجهة نظرك؟
أرى ضرورة تجميع جميع المعاهد والمدارس الفنية ومراكز التدريب المهني تحت كيان واحد، يكون مسؤولًا عنه شخص واحد أمام رئيس مجلس الوزراء.
ولا أرى أن يكون هذا الكيان تابعًا لوزارة بعينها، وإنما يكون كيانًا موحدًا يتبع رئيس الحكومة مباشرة، لأن التعليم والتدريب الفني من أهم محاور التنمية الاقتصادية، وبعد ذلك يتم توزيع المدارس ومراكز التدريب وفقًا للمزايا النسبية لكل إقليم اقتصادي.
– كيف يمكن لهذا التصور أن يغير واقع الشباب في القرى؟
عندما يكون لدينا إقليم اقتصادي متخصص في نشاط معين، نقوم بإنشاء مركز تدريب أو مدرسة فنية تخدم هذا النشاط.
وبالتالي يتدرب الشاب على المهنة التي يحتاج إليها سوق العمل في المنطقة التي يعيش فيها، ثم يجد فرصة للعمل داخل المصانع والشركات الموجودة في الإقليم نفسه.
وبذلك لا نضطر إلى دفع الشباب للذهاب إلى القاهرة بحثًا عن فرصة عمل، أو التفكير في الهجرة غير الشرعية، الشاب يتعلم في منطقته، ويعمل في منطقته، ويحصل على دخل مستقر.
– في النهاية.. ما الذي تحتاجه مبادرة «القرية المنتجة» حتى تتحول إلى مشروع تنموي مستدام؟
الفكرة جيدة، لكن لا يجب أن تكون مجرد شعارات، لأن الشعارات لن تحقق نتيجة.
كان لدينا في السابق أقاليم اقتصادية، ويمكن تفعيل هذا الإجراء مرة أخرى، بل ويمكن زيادة عدد الأقاليم وفقًا للمزايا النسبية لكل محافظة.
ثم نبدأ في تقديم دعم مباشر للتعليم والتدريب الفني والمهني، ونعطي الشباب فرصًا أكبر للحصول على التمويل متناهي الصغر.
لأن أي شاب يمكن أن يصبح صنايعيًا ماهرًا، ويمكن أن يتعلم في بلده مهنة معينة، لكن المهم أن نوفر له التدريب والتمويل والسوق.
إذا نجحنا في ربط المزايا النسبية للقرى والمحافظات بالتعليم والتدريب الفني والتمويل والصناعات المكملة والبنية الأساسية، سنكون أمام تنمية اقتصادية حقيقية للريف، وليس مجرد مبادرة منفصلة.

