«القرية المنتجة».. هل تستطيع المصانع الصغيرة إيقاف نزيف الهجرة من الريف؟ خبراء يجيبون| خاص

محمد البهي: تبسيط إجراءات المجمعات الصناعية يفتح الباب أمام الشباب

مدحت الشريف: إحياء الأقاليم الاقتصادية ضرورة لتوفير فرص عمل للشباب بالقرى

 

لسنوات طويلة، ظل البحث عن فرصة عمل أفضل أحد أهم الأسباب التي تدفع آلاف الشباب المصريين إلى مغادرة قراهم، سواء باتجاه المدن الكبرى أو إلى الخارج، فيما اختار آخرون طرقًا أكثر خطورة للوصول إلى أوروبا بحثًا عن دخل أفضل ومستقبل أكثر استقرارًا.

لكن الحكومة تحاول الآن تغيير المعادلة من جذورها، عبر فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: لماذا يضطر الشاب إلى مغادرة قريته إذا أمكن توفير فرصة عمل حقيقية بالقرب من منزله؟

من هنا جاءت مبادرة «القرية المنتجة»، التي تستهدف تحويل عدد من القرى المصرية إلى مراكز للإنتاج الصناعي، من خلال إقامة مشروعات تتناسب مع طبيعة كل منطقة ومواردها، وتوفير فرص عمل للشباب والنساء، بما يفتح مسارًا اقتصاديًا جديدًا لمواجهة الهجرة.

الفكرة.. العمل بدلًا من الرحيل

تقوم المبادرة على تحديد المحافظات والمناطق التي تعاني ارتفاع معدلات الفقر أو خروج أعداد كبيرة من سكانها بحثًا عن فرص عمل، ثم دراسة الموارد والمزايا التنافسية لكل منطقة، واختيار صناعات يمكن أن تنجح فيها.

وتشمل المجالات المستهدفة الصناعات النسيجية والغذائية والنباتات الطبية والعطرية، إلى جانب إنتاج الزيوت العطرية والعطور والمنتجات الوسيطة التي يمكن استخدامها في صناعات أخرى.

وبدلًا من إنشاء مشروعات منفصلة عن طبيعة المكان، تستهدف الخطة ربط النشاط الصناعي بما تمتلكه القرية بالفعل من موارد وخبرات، بحيث تتحول الميزة المحلية إلى مصدر للدخل وفرص العمل.

وتراهن الحكومة في تنفيذ هذه المشروعات على القطاع الخاص، الذي من المقرر أن يتولى تشغيل وإدارة المشروعات، بينما تعمل الدولة على توفير الأراضي والمباني اللازمة.

وقال خالد هاشم، وزير الصناعة إنه تسلم قائمة بالمحافظات الأكثر طردا للسكان، وتلك التي يسعى عدد كبير من شبابها إلى الهجرة غير النظامية، وبدأت دراسة الموارد والإمكانات المتاحة في كل منها تمهيدا لإقامة مشروعات صناعية توفر فرص عمل محلية.

تنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية في مصر - المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

المجمعات الصناعية تفتح الباب أمام الشباب

محمد البهي: تبسيط إجراءات المجمعات الصناعية يفتح الباب أمام الشباب

أكد محمد البهي، الخبير الصناعي، أن فكرة إنشاء مجمعات صناعية للمشروعات الصغيرة تستهدف توفير ظهير صناعي في المحافظات، بما يسهم في استيعاب الشباب في سن العمل وخلق فرص جديدة أمامهم.

وأوضح البهي في تصريح خاص لـ”القرار المصري”، أن هذه الفكرة كانت ضمن توجهات سابقة تستهدف إقامة مشروعات صغيرة في مختلف المحافظات، مشيرًا إلى أن التحركات الأخيرة لوزارة الصناعة تركز بصورة أكبر على تبسيط الإجراءات وتحسين شروط الاستفادة من المجمعات الصناعية.

تسهيل الإجراءات يحفز المشروعات الناشئة

وأشار إلى أن بعض المجمعات الصناعية التي تم إنشاؤها للمشروعات الصغيرة واجهت تحديات، من بينها ارتفاع أسعار الوحدات أو قيم الإيجارات المطلوبة، وهو ما شكل عائقًا أمام الشباب وأصحاب المشروعات الناشئة الراغبين في بدء أنشطتهم.

لماذا الريف؟

المشكلة التي تحاول المبادرة التعامل معها ليست وليدة السنوات الأخيرة، فعلى مدار عقود، تركز جانب كبير من الاستثمارات وفرص العمل في المراكز الحضرية الكبرى، بينما ظلت بعض المناطق الريفية والأقل اتصالًا بمراكز النشاط الاقتصادي تعاني محدودية الفرص.

وتظهر الفجوة في توزيع الاستثمارات العامة؛ ففي خطة 2024/2025 حصلت القاهرة وحدها على نحو 100.5 مليار جنيه من الاستثمارات العامة الموزعة على المحافظات، بما يعادل 21% منها، رغم أن سكانها يمثلون نحو 9.7% من إجمالي السكان، بينما حصلت محافظات الصعيد مجتمعة على نحو 14% فقط من الاستثمارات.

وبالتالي، فإن توفير مصنع أو مشروع إنتاجي داخل القرية لا يعني فقط خلق وظيفة جديدة، بل قد يمثل محاولة لتغيير مسار اقتصادي كامل نشأ نتيجة غياب الفرص.

مصري من إحدى قرى الريف

الهجرة.. الوجه الآخر للأزمة

لم يعد تأثير الهجرة مقتصرًا على خروج الشباب من القرى، فمصر لديها ملايين العاملين في الخارج، وتلعب تحويلاتهم دورًا مهمًا في توفير العملة الأجنبية للاقتصاد.

وتشير البيانات الواردة في المعلومات المتاحة إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت مستوى قياسيًا بلغ 41.5 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 29.6 مليار دولار في 2024.

وفي الوقت نفسه، لا يسلك جميع الراغبين في الهجرة الطرق القانونية، ففي عام 2025 وصل 17,451 مصريًا إلى أوروبا عبر مسارات الهجرة غير النظامية، بزيادة 50% عن العام السابق، وفق البيانات الواردة في التقرير.

وهنا تصبح «القرية المنتجة» جزءًا من معادلة أكبر: توفير بديل اقتصادي محلي يمكن أن يقلل الدافع وراء المخاطرة بالهجرة غير النظامية.

غرفة الحرف اليدوية: 70 عارضا يشاركون بجناحنا فى معرض تراثنا | مبتدا

من «قوارب الموت» إلى فرص العمل

لم تعتمد مصر خلال السنوات الماضية على الحلول الأمنية فقط في التعامل مع الهجرة غير النظامية، وإنما تبنت أيضًا برامج للتنمية والتوعية وخلق فرص العمل.

وتشير المفوضية الأوروبية إلى انخفاض أعداد المغادرات غير النظامية من مصر إلى أوروبا من 12,766 حالة في 2016 إلى 79 حالة في 2017، مع توقف مغادرة القوارب غير النظامية من السواحل المصرية عمليًا منذ سبتمبر 2016.

هل يكفي إنشاء المصانع؟

التحدي الأكبر أمام «القرية المنتجة» لن يكون في وضع الخطة، وإنما في ضمان استمرار المشروعات بعد تشغيلها.

فوجود مصنع داخل قرية لا يعني بالضرورة نجاحه اقتصاديًا، إذا لم يجد سوقًا لمنتجاته أو إذا ارتفعت تكاليف الإنتاج أو لم تتوافر العمالة المدربة أو تعذر الوصول إلى الأسواق، ولهذا سيكون دور القطاع الخاص حاسمًا.

فالحكومة قد توفر الأرض والمبنى والبنية الأساسية، لكن المستثمر هو الذي سيتحمل مسؤولية التشغيل والإنتاج والبيع وتحقيق الأرباح.

كما أن اختيار الصناعة المناسبة لكل قرية سيكون عاملًا أساسيًا؛ فالمشروع الذي يعتمد على موارد متاحة بالفعل في المنطقة ستكون فرص نجاحه أكبر من مشروع لا علاقة له بطبيعة المكان.

إحياء الأقاليم الاقتصادية ضرورة لابد منها

مدحت الشريف: إحياء الأقاليم الاقتصادية وتطوير التعليم الفني ضرورة لتوفير فرص عمل للشباب بالقرى

أكد الدكتور مدحت الشريف، وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب السابق واستشاري الأمن القومي، أن دعم النشاط التنموي في المناطق الريفية والبعيدة عن الحضر يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى تعميمه بصورة أكثر شمولًا وربطه بخطط واضحة للتنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل.

وأشار الشريف في تصريح خاص لـ”القرار المصري”، أن إعادة إحياء فكرة «الأقاليم الاقتصادية» التي كانت قائمة في مصر قبل ثورة 25 يناير فكرة في غاية الأهمية.

وأوضح أنها كانت تستهدف تحقيق التكامل بين المحافظات من خلال الاستفادة من المزايا النسبية لكل منطقة وتوجيه الأنشطة الإنتاجية وفقًا لطبيعة وإمكانات كل إقليم.

وأوضح أن بعض المناطق كانت تتميز بأنشطة صناعية محددة، مثل مناطق الغربية والمحلة الكبرى ودمنهور التي ارتبطت بصناعة الغزل والنسيج، وهو ما ساعد على تكامل الإنتاج من خلال قرب المزارع والبنية الأساسية والمصانع والشركات المرتبطة بهذا النشاط.

ولفت إلى أن إعادة تطبيق هذا النموذج يمكن أن تساعد في تحقيق تكامل اقتصادي بين المحافظات، خاصة في مناطق وسط الصعيد وغيرها من المناطق التي تمتلك مزايا نسبية يمكن البناء عليها في إقامة مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل حقيقية للسكان.

Medhat Elsherif (@medhatelsharif) • Instagram photos and videos

السؤال الأصعب: هل يقبل الشباب؟

ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للمبادرة، فليس الهدف أن تقول الدولة للشاب: «لدينا مصنع في قريتك»، وإنما أن توفر له وظيفة بدخل يستطيع أن يبني به مستقبله.

الشاب الذي يقارن بين راتب محلي محدود وفرصة عمل أفضل في القاهرة أو الخليج أو أوروبا، لن يتخذ قرار البقاء لمجرد أن المصنع قريب من منزله.

ولهذا فإن نجاح المبادرة يتطلب أن تكون الوظائف مستقرة، والأجور مجدية، وفرص التطور والترقي متاحة، وأن يشعر العامل بأن المشروع يمكن أن يوفر له مستقبلًا وليس مجرد وظيفة مؤقتة.

إذا تحقق ذلك، يمكن أن تتحول القرية من منطقة «طاردة للسكان» إلى منطقة جاذبة للعمالة والاستثمار، أما إذا اقتصر الأمر على إقامة مبانٍ ومصانع دون ضمان التشغيل والأسواق والاستدامة، فقد تتحول المبادرة إلى مشروع تنموي جديد لا يغير كثيرًا من أسباب الهجرة.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار