«أنا مش مستشار رئيس الوزراء».. هكذا رد حسن هيكل على من انتقده في ملف مبادلة الديون.
جملة قصيرة، لكنها في رأيي تستحق أن نتوقف عندها قليلًا.
ليس لأنني أريد أن أناقش هنا ما قاله هيكل عن مبادلة الديون، ولا لأنني معني بالدفاع عنه أو الهجوم عليه، وإنما لأن الرجل ــ من حيث لا يقصد ربما ــ فتح بابًا لسؤال أكبر بكثير:
طيب.. إذا كنت أنت مش مستشار رئيس الوزراء، فماذا عن المستشارين الموجودين بالفعل؟
لدينا مستشارون في وزارات وهيئات وأجهزة حكومية، وبعض هذه المناصب ــ بحسب ما يتردد ــ تكلف الدولة أموالًا كبيرة، تصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف من الجنيهات شهريًا، بخلاف ما قد يصاحب بعض المواقع من خدمات وامتيازات.
حسنًا.. ماذا يقدم هؤلاء؟
السؤال ليس خبيثًا، ولا يستهدف أحدًا بعينه.
بل هو سؤال منطقي وبديهي جدًا في دولة تمر بظروف اقتصادية صعبة، وتطلب من الجميع ترشيد الإنفاق وتحمل أعباء الإصلاح.
ما القيمة المضافة التي يقدمها المستشار؟
ما القرار الذي تغير بسبب رأيه؟
ما التكلفة التي وفرها على الدولة؟
ما المشروع الذي ساهم في إنجاحه؟
ما الأزمة التي منع حدوثها؟
ما الفكرة التي لم تكن موجودة داخل الجهاز الحكومي وأضافها هو؟
أريد أن أعرف.
وأعتقد أن المواطن من حقه أن يعرف أيضًا.
أنا لا أملك معلومة دقيقة عن عدد المستشارين في كل وزارة أو هيئة أو جهاز، ولا أعرف طبيعة عمل كل واحد منهم، وبالتالي لا أتهم أحدًا ولا أقول إن هذه المناصب بلا جدوى.
لكنني أطالب ببساطة بأن تكون هناك كشف حساب حقيقي.
فإذا كان المستشار يقدم خبرة لا تتوافر داخل الجهاز الحكومي، وله دور مؤثر، ويحقق للدولة عائدًا أكبر بكثير مما تتكلفه الدولة، فأهلًا به.
أما إذا كان وجوده مجرد منصب للوجاهة، أو «برستيج» إداري، أو مكافأة لشخصية ما، فهنا نحن أمام مشكلة.
وإذا كان المستشار لا يقدم سوى ما يريده الوزير أن يسمعه، ويصفق للقرار بعد اتخاذه، ويملأ البيانات بالعبارات المنمقة، ويبرر السياسات مهما كانت نتائجها، فالمشكلة أكبر.
الدولة لا تحتاج مستشارًا يقول للوزير «حاضر».. الدولة تحتاج مستشارًا يقول له «لا».
تحتاج شخصًا يختلف معه عندما يرى خطأ.
يقول له: القرار ده تكلفته كذا.
والبديل ده أفضل.
وهذه السياسة ستؤدي إلى النتيجة الفلانية.
وهنا توجد مخاطرة لم تحسب.
وهذا المشروع لن يحقق العائد المتوقع.
هذا هو المستشار الذي يستحق أجره.
أما أن يتحول المستشار إلى جزء من دائرة «الطبل والزمر ومسح الجوخ»، فهذه ليست استشارة.. هذه مجاملة مكلفة من المال العام.
وفي الظروف العادية ربما يمكن تأجيل فتح هذا الملف.
لكننا لسنا في ظروف عادية.
كل جنيه أصبح له حساب.
وكل إنفاق عام يجب أن تكون وراءه قيمة.
والمواطن الذي نطالبه بالصبر والتحمل وترشيد الاستهلاك، من حقه أن يسأل عن تكلفة المستشارين أيضًا.
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يشد الحزام، بينما تظل بعض المناصب الحكومية خارج نطاق السؤال والمراجعة.
لذلك، أنا لا أطالب بإلغاء منصب المستشار.
أنا أطالب بشيء أبسط وأهم:
قياس قيمة المستشار.
عدد المستشارين.
اختصاصاتهم.
مدة عملهم.
ما يتقاضونه.
وما الذي قدموه مقابل ذلك.
ليس تشهيرًا بأحد، وإنما احترامًا للمال العام.
وفي النهاية، قد نكتشف أن هؤلاء المستشارين يقدمون بالفعل أعمالًا مهمة، وأن ما يحصلون عليه أقل كثيرًا من القيمة التي يضيفونها.
وسيكون ذلك أمرًا جيدًا.
لكن إذا اكتشفنا العكس؟
إذا وجدنا مناصب لا تضيف شيئًا، وأموالًا تنفق بلا عائد، واستشارات لا تنتج إلا تصريحات؟
فوقتها لن تكون المشكلة في «المستشار».
المشكلة ستكون في النظام الذي سمح بأن يصبح المنصب غاية في ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة لخدمة الدولة.
لذلك، وبعيدًا عن حسن هيكل ومبادلة الديون وكل الجدل الدائر حولهما:
تعالوا نوفر الشكل والبرستيج.. ونقعد ونتحاور بجد.
لأن هذه المرحلة لا تحتمل مناصب جوفاء.
ولا تحتمل إنفاقًا بلا عائد.
ولا تحتمل مستشارًا مهمته أن يقول للوزير ما يحب أن يسمعه.
نحن نحتاج من يقول الحقيقة.. حتى لو كانت غير مريحة.
وفي النهاية، من يدفع ثمن القرارات كلها هو المواطن.
فمن حقه أن يعرف أيضًا:
مين اللي بينصح؟ وبيقبض كام؟ وبيقدم إيه؟

