لم تعد العلاقة الاقتصادية بين مصر والصين مجرد حركة تجارة بين بلدين، أو استثمارات تبحث عن سوق جديدة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة تحمل رهانًا أكبر: أن تصبح مصر نقطة انطلاق للصناعة الصينية نحو أسواق أفريقيا والمنطقة.
هذا الرهان بدأ يأخذ شكله الرسمي في عام 2014، عندما وقعت بكين والقاهرة اتفاق شراكة استراتيجية، بعد عام واحد فقط من إطلاق مبادرة «الحزام والطريق» الصينية. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الاستثمارات الصينية في مصر تتوسع من مشروعات محدودة إلى قاعدة صناعية ولوجستية تمتد عبر قطاعات متعددة.
وصل عدد الشركات الصينية المستثمرة والعاملة في مصر إلى نحو 3366 شركة
وبحسب بيانات نقلتها «تشينا ديلي»، وصل عدد الشركات الصينية المستثمرة والعاملة في مصر إلى نحو 3366 شركة، تنشط في قطاعات تشمل المنسوجات، والألواح الشمسية، والكيماويات، وتصنيع السيارات، والخدمات اللوجستية.
كما بلغت الاستثمارات الصينية نحو 12 مليار دولار بنهاية 2025، مع توقعات بوصولها إلى 15 مليار دولار بنهاية 2026.

مصر.. السوق والبوابة في الوقت نفسه
بالنسبة إلى بكين، لا تكمن أهمية مصر في حجم سوقها المحلية فقط، وإنما في الموقع الذي تستطيع من خلاله الشركات الصينية الوصول إلى أسواق أخرى.
فمصر تقع عند ملتقى ثلاث قارات، وتمتلك قناة السويس، بما يجعلها حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ومع وجود شبكة من الاتفاقيات التجارية والبنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية، تستطيع الشركات الصينية استخدام مصر ليس فقط لبيع منتجاتها محليًا، وإنما للتصنيع والتصدير إلى أسواق أخرى.
وهنا تتغير طبيعة المعادلة.
فبدلًا من أن تأتي المنتجات الصينية إلى مصر جاهزة، يصبح الهدف أن تأتي الاستثمارات والمصانع وسلاسل التوريد نفسها، لتنتج داخل السوق المصرية ثم تنطلق منها إلى الخارج.
وتزداد جاذبية هذه المعادلة مع توجه الصين إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع القارة الأفريقية، في وقت أصبحت فيه مصر واحدة من أهم بوابات الاستثمار والتجارة نحو القارة.
وفي مايو 2026، دخلت مبادرة الإعفاء الجمركي الصيني الكامل للواردات من الدول الأفريقية ذات العلاقات الدبلوماسية مع بكين حيز التنفيذ، بما شمل مصر، وهو ما يفتح فرصة أمام المنتجات المصرية للوصول إلى السوق الصينية، ويعزز في الوقت نفسه جاذبية مصر كقاعدة إنتاج وتصدير.

“تشينا ديلي”:
تجربة “تيدا” باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار
تيدا.. التجربة التي تكشف الخطة الصينية
إذا كانت الأرقام ترسم الصورة العامة، فإن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تقدم نموذجًا عمليًا لما تريده الصين من وجودها في مصر.
داخل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية-المصرية «تيدا»، تحولت مساحة كانت جزءًا من الصحراء إلى تجمع صناعي يضم أكثر من 200 شركة ومشروع، باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، وفق بيانات حديثة نشرتها «تشينا ديلي».
وتنتج المنطقة منتجات تدخل في صناعات متنوعة، من الألياف الزجاجية والأنابيب إلى الإطارات ومكونات الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين البطاريات.
والأهم أن التجربة لم تعد تقوم فقط على إنشاء المصانع، وإنما على بناء سلاسل إنتاج وتطوير مهارات العمالة المحلية ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وهذا التحول مهم بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، لأنه يعني أن الاستثمارات الأجنبية يمكن أن تتحول من مجرد ضخ أموال إلى زيادة القدرة الإنتاجية المحلية.

من الاستيراد إلى التصنيع
المعادلة التي تراهن عليها القاهرة وبكين تبدو واضحة: أن تتحول مصر تدريجيًا من سوق تستهلك المنتجات الصينية إلى قاعدة صناعية تنتجها.
وتظهر مؤشرات هذا التحول في قطاعات مثل السيارات والطاقة الجديدة والأجهزة المنزلية والكيماويات والمنسوجات، مع توسع الشركات الصينية في إقامة خطوط إنتاج داخل مصر.
كما شهدت السنوات الأخيرة تحركات نحو توطين صناعات ثقيلة ونظيفة، بينها مكونات طاقة الرياح والألواح الشمسية، إلى جانب مشروعات صناعية جديدة يجري بحثها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تسعى إلى زيادة التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، وفي الوقت نفسه رفع قدرتها على التصدير، لكن الاستفادة المصرية لا تتوقف عند المصنع نفسه.
فكلما زادت نسبة المكونات المحلية، وسلاسل الموردين، والعمالة المصرية، ونقل التكنولوجيا، ارتفع الأثر الحقيقي للاستثمار على الاقتصاد، بدلًا من اقتصاره على تدفق رأس المال.

بلغ حجم التجارة الثنائية بين مصر والصين نحو 20.8 مليار دولار في 2025
التجارة.. حلقة تحتاج لإعادة توازن
رغم النمو الكبير في الاستثمارات، تظل التجارة بين البلدين أحد أكثر الملفات حساسية.
فقد بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 20.8 مليار دولار في 2025، بزيادة 19.6% على أساس سنوي، وفق «تشينا ديلي». وفي المقابل، ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 41.9% خلال العام نفسه لتصل إلى نحو 819 مليون دولار.
ورغم تحسن الصادرات المصرية، لا تزال الفجوة التجارية كبيرة لصالح الصين، وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام الشراكة: ليس فقط زيادة حجم التجارة، وإنما تغيير طبيعتها.
فإذا نجحت مصر في جذب المزيد من المصانع الصينية الموجهة للتصدير، فقد يتحول جزء من الواردات الحالية إلى إنتاج محلي، وفي الوقت نفسه يمكن أن تصبح المصانع الموجودة في مصر مصدرًا لأسواق أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
وهكذا تصبح الاستثمارات الصينية وسيلة لمعالجة جزء من الاختلال التجاري بدلًا من أن تكون مجرد سبب في زيادة الواردات.
الرهان الأكبر.. ماذا ستكسب مصر؟
في النهاية، تبدو الشراكة المصرية الصينية أمام فرصة تتجاوز مجرد زيادة أرقام الاستثمارات.
فالصين تبحث عن موقع إنتاجي ولوجستي قريب من الأسواق، ومصر تبحث عن استثمارات توفر وظائف، وتدعم الصناعة، وتنقل التكنولوجيا، وتفتح أسواقًا جديدة أمام الإنتاج المحلي.
وإذا نجحت القاهرة في استغلال موقعها وقناة السويس والمناطق الصناعية والاتفاقيات التجارية، فقد تتحول الاستثمارات الصينية من مجرد أموال تدخل الاقتصاد المصري إلى منصة إنتاج تستفيد منها مصر في الوصول إلى أفريقيا والمنطقة.

