من قروض «جلوبال بارادايم» إلى 71 مليار جنيه.. لماذا يتمدد التمويل الاستهلاكي في مصر؟

لم تبدأ الحكاية عند أبواب مدرسة «جلوبال بارادايم»، لكنها خرجت منها إلى مساحة أوسع بكثير، فبعد اكتشاف عدد من أولياء الأمور تسجيل قروض وتسهيلات ائتمانية بأسمائهم دون علمهم، عادت إلى الواجهة أسئلة تتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها:

كيف توسع نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر إلى هذا الحد؟ ومن هم الأكثر اعتمادًا عليه؟ وهل يعكس الانتشار المتزايد تغيرًا في سلوك المستهلكين، أم أنه في جانب منه استجابة لضغوط اقتصادية متزايدة؟

الأرقام الرسمية

خلال النصف الأول من عام 2026، قفزت قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح للعملاء إلى نحو 71.84 مليار جنيه، مقابل 38.11 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 88.5%، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية.

ولم ترتفع قيمة التمويلات وحدها، بل ارتفع معها عدد المستفيدين بصورة حادة؛ إذ وصل عدد العملاء إلى نحو 8.47 مليون عميل خلال يناير ويونيو 2026، مقابل 4.82 مليون عميل خلال الفترة المقارنة من العام السابق، بنمو بلغ 75.7%.

بنك مصر الوطني في القاهرة
بنك مصر الوطني في القاهرة

بلغ التمويل الاستهلاكي نحو 20.87 مليار جنيه

يونيو وحده الانطلاق

ففي شهر واحد، بلغ التمويل الاستهلاكي نحو 20.87 مليار جنيه، مقابل 8.87 مليار جنيه في يونيو 2025، بزيادة 135.2%. كما اقترب عدد العملاء من مليوني عميل، مسجلًا نحو 1.987 مليون عميل، مقابل 992.4 ألف عميل في يونيو من العام الماضي.

النمو السكاني في مصر
النمو السكاني في مصر

وبعبارة أخرى، لم يعد التمويل الاستهلاكي نشاطًا هامشيًا يلجأ إليه عدد محدود من المستهلكين، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى قناة واسعة للحصول على السلع والسيولة.

من أين بدأ هذا الصعود؟

يرتبط تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي غير المصرفي في مصر بصدور قانون رقم 18 لسنة 2020، لكن الانطلاقة الأكبر للنشاط جاءت في ظل ظروف اقتصادية استثنائية.

فبعد جائحة كورونا، ثم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022، ارتفعت الضغوط على دخول الأسر مع موجات التضخم وارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات.

وبين عام 2021 وعام 2025، ارتفع عدد المصريين الذين يلجأون إلى التمويل الاستهلاكي بنسبة ضخمة بلغت 794%، بينما ارتفعت قيمة التمويل الممنوح بنسبة 466%.

وفي الأشهر الخمسة الأولى من 2026 فقط، وصلت قيمة التمويل إلى نحو 51 مليار جنيه، مقابل 29.4 مليار جنيه في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة 74.5%.

أما عدد العملاء فارتفع خلال الفترة نفسها بنسبة 64.9%، من نحو 3.825 مليون عميل إلى 6.479 مليون عميل، لكن خلف هذه المليارات يوجد سؤال اجتماعي واقتصادي أكثر حساسية: لماذا يحتاج كل هؤلاء إلى التمويل؟

تجارة السيارات الحديثة في مصر
تجارة السيارات الحديثة في مصر

لماذا يحتاج كل هؤلاء إلى التمويل؟

التفسير الأسهل هو اتهام المستهلك بأنه أصبح أكثر ميلًا إلى الاستهلاك وشراء الكماليات، خصوصًا مع انتشار خطاب يربط التمويل الاستهلاكي بشراء الهواتف الحديثة أو السفر والترفيه، لكن توزيع التمويل نفسه يرسم صورة أكثر تعقيدًا.

في عام 2025، استحوذت السلع المعمرة على نحو 40% من إجمالي التمويل، بقيمة بلغت 39.3 مليار جنيه، بينما جاءت السيارات والمركبات في المرتبة التالية بنسبة 20.4% وقيمة 19.6 مليار جنيه.

كما استحوذ التمويل النقدي المسبق على 12.6%، بقيمة بلغت 12.1 مليار جنيه، وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد الرغبة في شراء سلعة جديدة.

فالتمويل قد يكون بالنسبة إلى أسرة ما وسيلة للحصول على جهاز أساسي، أو سيارة، أو احتياج ضروري في وقت لا يكفي فيه الدخل لتغطية التكلفة دفعة واحدة. وقد يتحول في حالات أخرى إلى وسيلة للحصول على سيولة عاجلة، حتى لو كان ثمنها التزامًا طويل الأجل.

وهناك ممارسة أكثر تعقيدًا تعرف بـ«تسييل المشتريات»، إذ يحصل المستهلك على سلعة بالتمويل ثم يسعى إلى تحويلها إلى سيولة نقدية، ليجد نفسه في النهاية أمام أقساط وفوائد مقابل أموال حصل عليها في الأصل لتغطية احتياجاته العاجلة، هنا تظهر المفارقة.

التمويل الاستهلاكي يوفر حلًا سريعًا لمشكلة السيولة، لكنه قد يحول المشكلة نفسها إلى التزام ممتد، خصوصًا عندما تكون تكلفة التمويل مرتفعة أو لا يتناسب القسط مع دخل المقترض.

ومن ثم، فإن ارتفاع أعداد العملاء لا يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا واحدًا على زيادة الاستهلاك فقط، كما لا يمكن اعتباره دليلًا تلقائيًا على تحسن القدرة الشرائية.

فقد يكون الرقم، في جانب منه، انعكاسًا لزيادة الحاجة إلى الاقتراض لمواجهة ارتفاع تكلفة المعيشة، وتزداد أهمية هذا التفسير مع بيانات الفقر.

معدلات الفقر في مصر | أرشيفية
معدلات الفقر في مصر | أرشيفية

بلغ عدد الفقراء في مصر نحو 37 مليون شخص،

عدد الفقراء في مصر

فبحسب دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صدرت في مايو 2026، بلغ عدد الفقراء في مصر نحو 37 مليون شخص، بما يمثل 34% من السكان في عام 2021 وفق المنهجية الوطنية لقياس الفقر.

كما أظهرت البيانات الرسمية ارتفاع معدل الفقر من 27.8% في 2014/2015 إلى 29.7% في 2019/2020.

وبينما ارتفعت الأسعار وتراجعت القدرة على تحمل تكلفة بعض الاحتياجات دفعة واحدة، ظهر التمويل الاستهلاكي كأداة تسمح للمستهلك بتوزيع التكلفة على فترة زمنية أطول، لكن توزيع التكلفة لا يعني اختفاءها.

فالسلعة التي لا يستطيع المستهلك دفع ثمنها اليوم قد تصبح التزامًا شهريًا يقتطع جزءًا من دخله غدًا.

وهنا تتغير المعادلة من سؤال «هل أستطيع شراء السلعة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «هل أستطيع تحمل القسط حتى نهاية مدة التمويل؟».

مركز تجاري في مدينة نصر
مركز تجاري في مدينة نصر

أزمة «جلوبال بارادايم»

فإلى جانب النقاش حول التوسع الكبير في النشاط، أظهرت واقعة مدرسة جلوبال بارادايم أهمية الرقابة على عملية منح التمويل نفسها، والتحقق من هوية العملاء وموافقتهم الحقيقية، وحماية بياناتهم، والتأكد من عدم تحول الحاجة إلى التمويل إلى باب للاستغلال أو التلاعب.

وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل السوق عبر التمويل الاستهلاكي، وإنما بكيفية منحها، ولمن، وبأي تكلفة، وتحت أي ضمانات.

فالتمويل الاستهلاكي يمكن أن يكون أداة لتسهيل حياة الأسر وتوفير احتياجات يصعب شراؤها نقدًا، لكنه قد يتحول إلى عبء عندما يستخدم لسد فجوة دخل مستمرة أو للحصول على سيولة عاجلة دون حساب تكلفة السداد.

وفي النهاية، فإن القفزة من 38.1 مليار جنيه إلى 71.8 مليار جنيه خلال عام واحد لا تحكي وحدها قصة «مجتمع أكثر استهلاكًا».

وراء الرقم ملايين القرارات الفردية، بعضها لشراء سلعة، وبعضها لتدبير احتياج، وبعضها للحصول على سيولة، وربما بعضها للهروب من ضغط مالي مؤقت.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبح المصريون يقترضون أكثر؟، بل: ماذا تقول هذه القروض عن قدرة دخولهم على مواكبة تكلفة الحياة؟

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار