مع عودة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، وارتفاع تكلفة شحنات الغاز الطبيعي المسال، يجد الاقتصاد المصري نفسه أمام اختبار جديد لا يتعلق بسعر برميل النفط وحده، وإنما بفاتورة طاقة متكاملة قد تضغط على الموازنة العامة، وتزيد الطلب على الدولار، وتحد من سرعة تراجع التضخم.
وتزداد حساسية الموقف مع استمرار الحرب في المنطقة وما تفرضه من مخاطر على حركة التجارة وإمدادات الطاقة، في وقت لا يزال فيه الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي أقل من حجم الاستهلاك، ما يدفع مصر إلى اللجوء للاستيراد لسد الفجوة، خاصة خلال أشهر الصيف التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء.
ارتفاع النفط فوق حسابات الموازنة
في 2 سبتمبر، وصل سعر خام برنت إلى نحو 94.76 دولار للبرميل، متجاوزًا الافتراض الذي بُنيت عليه موازنة العام المالي 2026/2027 عند مستوى 75 دولارًا.
الفارق الذي يقترب من 20 دولارًا للبرميل يضع تكلفة الطاقة تحت ضغط إضافي، وإن كان تأثير ارتفاع النفط على الموازنة لا يُقاس بصورة مباشرة بكل دولار زيادة في السعر، إذ يتوقف الأثر النهائي على حجم الواردات، وأسعار المنتجات البترولية، وسعر الصرف، وآليات التسعير والتحوط، وقدرة الحكومة على تمرير جانب من الزيادة إلى السوق المحلية.
لكن في جميع الأحوال، فإن استمرار الأسعار المرتفعة يعني ارتفاع تكلفة استيراد المنتجات البترولية، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والصناعة وتوليد الكهرباء.
فاتورة الطاقة تتسع
وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع سعر النفط بنحو 10 دولارات قد يضيف قرابة 2.5 مليار دولار إلى فاتورة واردات الطاقة المصرية وعجز الحساب الجاري.
وبالتالي، فإن استمرار متوسط سعر النفط قرب 95 دولارًا، أي أعلى بنحو 20 دولارًا من السعر المفترض في الموازنة، قد يخلق ضغطًا إضافيًا يقترب من 5 مليارات دولار سنويًا، إذا ظلت العوامل الأخرى ثابتة.
وهذا الرقم يظل تقديرًا تقريبيًا وليس توقعًا رسميًا، لأن حجم التأثير يتغير وفقًا لأسعار الغاز والمنتجات البترولية، وحجم الاستهلاك والواردات، وسعر الصرف.
الغاز.. الحلقة الأكثر سخونة
غير أن النفط ليس وحده مصدر القلق، فالغاز الطبيعي المسال أصبح أحد أبرز عناصر الضغط على فاتورة الطاقة المصرية، بعدما ارتفعت تكلفة الشحنة المستوردة إلى نحو 80 مليون دولار، مقابل حوالي 40 مليون دولار قبل الحرب، وفق تصريحات وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي.
ولا يرتبط الارتفاع بسعر الغاز فقط، وإنما كذلك بزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما يجعل كل شحنة مستوردة أكثر تكلفة بالنسبة لمصر.
وتزداد أهمية ذلك في ظل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي؛ إذ يبلغ متوسط إنتاج الغاز نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقابل استهلاك يقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ويرتفع خلال الصيف إلى حوالي 7.2 مليار قدم مكعبة يوميًا.
أي أن مصر لا تواجه فقط مشكلة ارتفاع سعر الطاقة، بل تواجه في الوقت نفسه احتياجًا متزايدًا إلى شراء كميات أكبر من الخارج.
21 مليار دولار للوقود
وتكشف بيانات 2025 عن حجم الحساسية تجاه أسعار الطاقة، بعدما بلغت واردات مصر من الوقود نحو 21 مليار دولار، مقابل حوالي 16 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 23%.
ويمثل الغاز الطبيعي نحو 38% من فاتورة الواردات البترولية، ما يعني أن استمرار ارتفاع أسعار الغاز والنفط قد يضع مزيدًا من الضغط على موارد النقد الأجنبي.
وهنا تتحول أزمة الطاقة من مجرد ملف يتعلق بالوقود إلى قضية مرتبطة مباشرة بتوافر الدولار.
الموازنة أمام معادلة صعبة
وضعت الحكومة في موازنة 2026/2027 سعر النفط عند 75 دولارًا للبرميل، مع تخصيص نحو 120 مليار جنيه لدعم الطاقة، مقابل قرابة 150 مليار جنيه في العام السابق، لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يضع الحكومة أمام خيارين كلاهما يحمل تكلفة.
فإذا حافظت الدولة على أسعار الوقود المحلية، فإنها تتحمل جزءًا أكبر من الزيادة، ما يزيد الضغط على الموازنة.
أما إذا انتقلت الزيادة إلى المستهلك، فإن فاتورة النقل والإنتاج ترتفع، وقد تنتقل الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، بما يضيف ضغوطًا جديدة على التضخم.
وهكذا تصبح معادلة الطاقة مرتبطة في الوقت نفسه بالموازنة والأسعار ومستوى معيشة المواطنين.
الدولار يدخل على خط الأزمة
كل ارتفاع في قيمة واردات الطاقة يعني حاجة أكبر إلى العملات الأجنبية لتمويل تلك الواردات.
وفي حال استمرار أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، يمكن أن يرتفع الطلب على الدولار من جانب الحكومة والشركات، بما يضيف ضغوطًا على سوق الصرف.
ولا يتوقف الأمر عند تكلفة شراء الطاقة؛ فارتفاع أسعار الوقود يرفع كذلك تكلفة النقل والصناعة والخدمات، وهو ما قد يبطئ مسار انخفاض التضخم.
الحرب لا تضرب الطاقة وحدها
المشكلة الأكبر أن فاتورة الحرب بالنسبة للاقتصاد المصري قد لا تتوقف عند النفط والغاز.
فقناة السويس والسياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي تمثل مصادر رئيسية للعملة الأجنبية، ويمكن أن تتأثر جميعها إذا طال أمد التوترات الإقليمية.
كما أن اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يزيدان تكلفة التجارة، في الوقت الذي يمكن أن تؤدي فيه المخاطر الجيوسياسية إلى تحركات في استثمارات المحافظ الأجنبية.
الاختبار الحقيقي.. إلى متى يستمر التصعيد؟
لا تكمن الخطورة بالضرورة في ارتفاع النفط لمستوى 95 دولارًا في حد ذاته، وإنما في استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، خصوصًا إذا اقترب خام برنت من حاجز 100 دولار أو تجاوزته، بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار الغاز والشحن والتأمين.
وفي هذه الحالة، تصبح قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمة مرتبطة بعدة عوامل في وقت واحد: حجم احتياجات الطاقة المستوردة، وتطور الإنتاج المحلي من الغاز، وأسعار النفط والغاز عالميًا، وحركة الدولار، وأداء السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية.
وبينما تمتلك الحكومة أدوات للتعامل مع الصدمات، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يجعل فاتورة الأزمة أكبر من مجرد زيادة في سعر برميل النفط، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على حماية احتياطيات النقد الأجنبي، والسيطرة على التضخم، والحفاظ على توازن الموازنة في الوقت نفسه.

