لا يتوقف تقييم التسهيلات الضريبية التي أطلقتها وزارة المالية في مصر عند حجم الإعفاءات أو عدد الخدمات التي جرى تبسيطها، بل يرتبط بسؤال أكثر أهمية: هل نجحت هذه الإجراءات في جذب ممولين جدد إلى المنظومة الرسمية، وتحسين الالتزام الطوعي، وزيادة الحصيلة الضريبية، دون فرض أعباء إضافية على الممولين الملتزمين؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع اعتماد السياسة الضريبية على مسارين متوازيين؛ أولهما تيسير الإجراءات وبناء الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال، وثانيهما رفع كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية.
لذلك، فإن الحكم على نجاح التسهيلات يحتاج إلى التمييز بين نمو الحصيلة في الأرقام الاسمية، وبين الزيادة التي تعكس تحسنًا حقيقيًا في الامتثال واتساع النشاط الاقتصادي.

الحصيلة الضريبية
تكشف الأرقام الرسمية عن ارتفاع ملحوظ في الإيرادات الضريبية منذ بدء تطبيق الحزمة الأولى من التسهيلات.
فقد بلغت الحصيلة الضريبية خلال العام المالي 2024/2025 نحو 2.204 تريليون جنيه، بزيادة قدرها 35.3% مقارنة بالعام المالي السابق، بحسب بيانات عرضتها رئاسة الجمهورية نقلًا عن وزارة المالية.
ولم يقتصر التطور على زيادة الحصيلة الإجمالية؛ إذ أعلنت الحكومة أن المرحلة الأولى من المبادرة، خلال الفترة من فبراير إلى أغسطس 2025، شهدت تقديم 401 ألفًا و929 طلبًا لتسوية المنازعات الضريبية القديمة، وأكثر من 650 ألف إقرار ضريبي جديد أو معدل طواعيًا، أسفرت عن تحصيل 77.9 مليار جنيه.
كما تقدم نحو 104 آلاف و129 ممولًا للاستفادة من النظام الضريبي المبسط للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن التسهيلات لم تكن مجرد تعديلات إجرائية، بل اقترنت بإجراءات فعلية لتسوية ملفات قديمة وتشجيع ممولين على التعامل مع المنظومة الضريبية.
الحزمة الثانية.. هل يستمر التحسن في العام المالي الجديد؟
استمر نمو الحصيلة خلال العام المالي 2025/2026، وفق البيانات الحكومية المتاحة. فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية خلال الأشهر التسعة الأولى إلى نحو 1.8 تريليون جنيه، بنمو يقارب 29% على أساس سنوي.
وأظهرت بيانات لاحقة ارتفاع الحصيلة خلال أول عشرة أشهر إلى نحو 2.21 تريليون جنيه، بزيادة 29.3% مقارنة بالفترة المقابلة.
وتزامن ذلك مع الانتقال إلى الحزمة الثانية من التسهيلات، التي تضمنت إجراءات لتحسين الخدمات الضريبية، وتيسير رد ضريبة القيمة المضافة، وتطوير المقاصة الإلكترونية، إلى جانب مزايا إضافية للممولين الملتزمين.
وتعزز هذه الأرقام الاستنتاج بأن التحسن في التحصيل استمر بعد إطلاق الحزمة الأولى، لكن استمرار النمو لا يعني بالضرورة أن جميع الزيادة نتجت عن التسهيلات وحدها؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها نمو النشاط الاقتصادي، والتوسع في استخدام الأنظمة الرقمية، وتغير مستويات الأسعار، وتحسن إجراءات التحصيل.

كيف ساهمت التسهيلات في زيادة الحصيلة؟
يمكن رصد ثلاثة مسارات رئيسية تفسر العلاقة بين التيسير الضريبي ونمو الإيرادات:
تسوية المنازعات القديمة: إتاحة تسوية الملفات العالقة تساعد على تحويل مستحقات متنازع عليها إلى إيرادات محصلة، وتمنح الممول فرصة لإغلاق ملفات سابقة والبدء من جديد.
ضم ممولين جدد: النظام الضريبي المبسط للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه يستهدف خفض التعقيدات أمام المشروعات الصغيرة وتشجيع الأنشطة غير الرسمية على الانضمام إلى المنظومة.
رفع الالتزام الطوعي: تبسيط الإقرارات، وتطوير الخدمات الرقمية، وتحسين إجراءات رد الضريبة والمقاصة يمكن أن يقلل تكلفة الامتثال ويحد من دوافع التأخر أو عدم تقديم الإقرارات.
وتتفق هذه المسارات مع توجه وزارة المالية نحو توسيع القاعدة الضريبية بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة العبء على الممولين القائمين، وكانت الوزارة قد استهدفت إضافة 100 ألف ممول حقيقي ومستدام ضمن جهود توسيع القاعدة الضريبية خلال النصف الثاني من العام المالي 2025/2026.
ما الذي لا تكشفه الأرقام حتى الآن؟
رغم قوة مؤشرات نمو الحصيلة، فإن الحكم النهائي على نجاح التسهيلات يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الزيادة السنوية في الإيرادات الاسمية.
فارتفاع الحصيلة بنسبة 35.3% في عام مالي، ثم استمرار نموها بنحو 29% خلال جزء من العام التالي، لا يكفي وحده لإثبات مقدار الزيادة التي تحققت بسبب التسهيلات.
ويحتاج هذا التقييم إلى بيانات تفصيلية توضح عدد الممولين الجدد الذين استمروا في تقديم الإقرارات والسداد، وحجم الإيرادات الإضافية الناتجة عن ضم الاقتصاد غير الرسمي، وتكلفة الحوافز والتيسيرات، ومدى تحسن التحصيل بعد استبعاد أثر التضخم وتغير النشاط الاقتصادي.
كما أن نجاح النظام المبسط لا يُقاس بعدد طلبات الانضمام فقط، وإنما بقدرة المشروعات على الاستمرار داخل المنظومة، والانتظام في تقديم الإقرارات وسداد المستحقات، مع الحفاظ على فرص نموها وتوسعها.

الحكم النهائي
تشير البيانات المتاحة إلى أن التسهيلات الضريبية تزامنت مع ارتفاع قوي في الحصيلة، وتسويات واسعة للمنازعات القديمة، وتقدم أكثر من 104 آلاف ممول للاستفادة من النظام المبسط.
واستمر نمو الإيرادات الضريبية خلال الأشهر الأولى من العام المالي التالي، وهو ما يدعم القول إن المبادرة حققت نتائج مالية وإجرائية ملموسة.
لكن الفصل بين أثر التسهيلات وأثر بقية العوامل الاقتصادية والضريبية يظل ضروريًا قبل اعتبارها السبب الرئيسي وراء الزيادة. ويعتمد نجاح السياسة على المدى الطويل على قدرتها على جذب ممولين جدد بصورة مستدامة، وتعزيز الثقة والالتزام الطوعي، وتحسين كفاءة التحصيل دون تحميل الممولين الملتزمين أعباء غير متناسبة.
وبذلك، فإن المؤشرات الأولية تميل إلى الإيجابية من زاوية نمو الحصيلة وتوسيع المشاركة في المنظومة، بينما يظل الاختبار الأهم هو ما إذا كانت هذه النتائج ستتحول إلى قاعدة ضريبية أوسع وأكثر استقرارًا، بدلًا من الاعتماد على التسويات الاستثنائية والنمو الاسمي للإيرادات.

